رسالة المودة من القلب إلى القلب – الأستاذ عبدالوهاب حسين

بسم الله الرحمن الرحيم

بعض المشبوهين الظاهرين والمتسترين غير المؤمنين يسعون جهدهم في غفلةٍ من المؤمنين لتصوير وإثارة الضديّة بالباطل بين المؤمنين، بسوء نية وخبث سريره، ولغاياتٍ ومقاصدَ دنيويةٍ سلطويةٍ واستكبارية خبيثة، مما يوجبُ على المؤمنين الأعزاء التحليّ بالوعي واليقظة والحذر من الوقوع في حبائلهم وفخاخهم، فالمعتمَد والمدار بين المؤمنين في المقام الأول على الدين والعقيدة، أمّا الاختلاف السياسي المنهجي والإجرائي بينهم رغم أهميته هو عرضي وتوصُّلي من أجل التنافس في فعل الخير، وإصابة الواقع، والوصول للأفضل.

فالمؤمنون يختلفون كسائر الناس في تشخيص ما هو الأصلح في الأمور التي تتعلق بالتدبير، واختلافهم في ذلك ظاهرةٌ طبيعيةٌ صحيةٌ، ومن النصح للدين والوطن، فلا ينبغي أن يؤثرَ على الروابط الأخويّة، أو يمس بشيء من حقوق الأخوة بينهم، لكنَّ المشبوهين المجرمين يسعون جهدهم للإيقاع بين المؤمنين، من خلال بثّ الفتنة والضديّة بالمبالغة في تصوير أبعاد الاختلافات السياسية ودلالاتها وتضخيمها وحرفها عن مسارها الطبيعي، وتحويلها من اختلافاتٍ توصُّليّة إلى اختلافاتٍ جوهرية وسببٍ للعداوة بينهم؛ فإن حدث ذلك فهو دليلٌ على وجود الخلل في الحالة الروحية والإيمانية، وعلى الغفلة عن كيد الشيطان ومكر الأعداء، وعلى فقدان البصيرة وضياع البوصلة.

لا تستدعي الخلافات السياسية في نفسها الضدية والعداوة بين المؤمنين إلا في أجندة الأعداء والمغفلين، ومن الواضح أني لا أريد الغاء الاعتبار عن الاختلافات السياسية أو التقليل من أهميتها أو التفريط في الثوابت أو المكتسبات أو القضايا الرئيسية، ولكن أريد وضع الاختلافات السياسيّة بمقتضى الحكمة في نصابها بدون إفراط ولا تفريط، والحثّ على حسن إدارتها وتدبيرها.

ومن الوسائل الشيطانية الخبيثة التي ينبغي على المؤمنين الحذر منها اتخاذ أمر الشرعيّة ذريعةً لإقصاء المؤمنين الذين نختلف معهم في السياسة، وعزلهم والإساءة إليهم والتضييق عليهم، والطعن في شرعيّة عملهم، مخالفين في ذلك قاعدة حمل أعمال المؤمنين على الصحة، والحَمل على الوجه الصحيح، واستخدام أمر الشرعيّة من أخفى كيد الشيطان ويمكن أن يقع المؤمنون في شباكهِ بدوافع الإيمان والحرص على الدين، ولا أريد إغفال الشرعيّة وتجاهلها، أو التقليل من أهميتها وشأنها وقيمتها -لا سمح الله تعالى- فهي حقٌ تعبديٌ ثابت وظاهر لا يمكن ولا يجوز إغفاله؛ لكن أريد التحذير من سوء التوظيف والاستخدام ومن الوقوع في حبائل الشيطان وكيد الأعداء، والدخول في أجندتهم وتحقيق أهدافهم في غفلةٍ منا باسم الشرعية.

فالرجاء من المؤمنين الأعزّاء الكفَّ عن الطعن في شرعية عمل إخوانهم المؤمنين، والأخذ بالتناصح والبيان وإقامة الحجة بدل التراشق وتبادل الاتهامات، والحذر من أتباع الأهواء والرغبات النفسية الهابطة، وجعل الشرعية السامية تابعةً للسياسة الهابطة، ووسيلةً من أجل الوصول للمصالح الدنيوية الخاصة الشخصية أو الحزبية، فنخرِّب أجواءَ الاخوة بين المؤمنين بدون فائدة تعود على الدين والأمة والوطن، بل تعود عليها بالسوء، فنرضي الشيطان ونغضب الرحمن، ونخسر الإيمان والدنيا والآخرة.

وأوصي نفسي وأخواني المؤمنين الأعزاء بأن نكونَ حذرينَ يقضينَ مستقيمينَ، وإخوةً متكاتفينَ متضامنينَ متعاضدينَ، متعاونينَ على البر والتقوى، ونحفظ ونصون حقوق الأخوة بيننا، ونتعاون لصون المكتسبات والثوابت وقضايانا الرئيسية، ولا نبالغ في تصوير أبعاد ودلالات الاختلافات السياسية، وأن نترك الانشغال بما لا نفعَ فيه ولا فائدة منه، ويتنافى مع حقيقة الإيمان وكماله، ولا يعود علينا بالخير في ديننا ودنيانا وآخرتنا؛ كالتراشق وتبادل الاتهامات.

وأن نبادر إلى معالجة القضايا القائمة على الساحة بالأفعال وعزم الإرادة والإنجاز، ونتنافس على السبق إلى الفضيلة وفعل الخير وخدمة الدين وقضايا الأمة والوطن، وصيانة الثوابت والمكتسبات، وليس المنافسة البلهاء على الأوهام والحطام والألقاب ونحوها.

وأن نعوّلَ على الله -سبحانه وتعالى- وجهادنا؛ جهاد النفس وجهاد الأعداء وإنجازاتنا، ونحذر من التعويل على الأماني الخادعة والإنجازات الوهمية أو المبالغ فيها وعلى الهياكل الصورية الزائفة، وانتظار أن يأتينا الفرج سهلاً وبدون ثمن على شكل منحةٍ أو مكرمة، أو يأتينا على أيدي الأصدقاء الوهميين المستكبرين الذين يفكرون بمنطق برجماتي نفعي بحت، يأتوننا متطوعين ينقذونا ويخلصونا مما نحن فيه دفاعًا عن الديموقراطية وحقوق الانسان وأمن المنطقة ونحو ذلك، وبدون معطيات واقعية مفروضةٍ عليهم نقيمها نحنُ بجهادنا وتضحياتنا وإنجازاتنا على الأرض؛ بل هم ينتظرونَ منا أن نبيع إليهم ديننا وأنفسنا وثوابتنا من أجل الفتات، وقد ثبت بالتجربة كذبهم وخذلانهم لأصدقائهم المتوهِمين حينما تقتضي مصالحهم ذلك، فلن نحصل في الحالين: انتظار فرج المكرمة وفرج المستكبرين البرجماتيين؛ إلا على الخيبة والخسران والذل والهوان والصغار، والمؤمن كيسٌ فطن يتعلم من التجارب ولا يلدغ من جحرٍ مرتين.

ولا أريد من القول أن نكون خياليين حالمين بعيدين عن الواقع ومعطياته وتعقيداته، أو أن نعزل أنفسنا عن العالم الذي نحن جزء منه نؤثر فيه ونتأثر به؛ بل أريد التنويه إلى ضرورة التحلي بالوعي والبصيرة، والتعلم من التجارب التاريخية والمعاصرة والحذر من الوقوع في كيد الأعداء ومآمراتهم ووعودهم الكاذبة، وأن نتعلم السير والسنن ونأخذ بالأسباب ونسلك طريق الصواب، وأن نتحلّى بالعزة والكرامة والمنعة، ولا نقبل بالذل والهوان والفتات، وأن يكون الانفتاح على الغير بحكمة ورويّة ورؤيةٍ واضحة ومنهجٍ سديد متوازن ومتكامل يتيح لنا الاستفادة من كافة المعطيات، واقتناص جميع الفرص على أسسٍ واقعيةٍ سليمة، وأن نعوّل على الحقائق وليس على الأوهام، وعلى الوقائع وليس على الأماني والوعود، واستيعاب حقيقة أن الدعم من أيّ طرف كان مبدئيًا أو برجماتيًا لا يغني عن العمل على الأرض إلا في الوهم والخيال، ولا ينبغي أن يأتي الدعم او التقارب مع النظام من أي طرف على حساب المكتسبات الجوهرية والقضايا الرئيسية والأخوة الإيمانية أو التفريط فيها؛ بل من أجل المحافظة عليها وتعزيزها.

وأن نعلم بأن المكاسب التي تأتي بسهولة وبدون ثمن تذهب بسهولة وبدون ثمن، وأن المكاسب الخاصة الشخصية أو الحزبية إن جاءت على حساب الثوابت أو المكاسب العامة أو القضايا الرئيسية والتفريط فيها؛ فهي من خيانة الأمانة التي يتنزه عنها المؤمنون، وعاقبتها الخسران في الدين والدنيا والآخرة ومثل ذلك في السوء الجمود في التفكير الذي يؤدي إلى تضييع الفرص المتاحة، وتفويت المصالح العامة، فالمطلوب الاستقامة والتوازن والتحلي بالحكمة والرشد والرويّة، والله من وراء القصد، وأعتذر لإن تأذّى أحدٌ من المؤمنين من شيءٍ من قولي. والحمد لله رب العالمين.


صادر عن:
فضيلة الأستاذ عبدالوهاب حسين

معتقل سجن جو – البحرين
الأثنين 1 صفر 1444 هـ
الموافق 29 أغسطس/آب 2022

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى