خطاب عاشوراء 1444 هـ – السيد مرتضى السندي

النص الكامل للكلمة العاشورائية التي ألقاها القيادي في تيار الوفاء الإسلامي، السيد مرتضى السندي يوم الجمعة (5 اغسطس/آب 2022) ليلة الثامن من شهر محرم 1444 هـ في مركز الإمام الخميني (قدس) بمدينة قم المقدسة.


بسم الله الرحمن الرحيم 

والصلاة والسلام على اشرف الخلق والمرسلين محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين الى قيام يوم الدين .

السَّلامُ عَلَيْكَ يا أَبا عَبْدِ اللهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يابْنَ رَسُولِ الله، السَّلامُ عَلَيْكَ يابْنَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وَابْنَ سَيِّدِ الوَصِيِّينَ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بْنَ فاطِمَة سَيِّدَةِ نِساءِ العالَمِينَ، السَّلامُ عَلَيْكَ ياثارَ الله وَابْنَ ثارِهِ وَالوِتْرَ المَوتُورَ، السَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلى الاَرْواحِ الَّتِي حَلَّتْ بِفِنائِكَ عَلَيْكُمْ مِنِّي جَميعاً سَلامُ الله أَبَداً ما بَقِيتُ وَبَقِيَ اللَيْلُ وَالنَّهارُ.

يا أَبا عَبْدِ الله لَقَدْ عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ وَجَلّتْ وَعَظُمَتِ المُصِيبَةُ بِكَ عَلَيْنا وَعَلى جَمِيعِ أَهْلِ الإسْلامِ، وَجَلَّتْ وَعَظُمَتْ مُصِيبَتُكَ فِي السَّماواتِ عَلى جَمِيعِ أَهْلِ السَّماواتِ، فَلَعَنَ الله اُمَّةً أَسَّسَتْ أَساسَ الظُّلْمِ وَالجَوْرِ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ، وَلَعَنَ الله اُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقامِكُمْ وَأَزالَتْكُمْ عَنْ مَراتِبكُمُ الَّتِي رَتَّبَكُمُ الله فِيها، وَلَعَنَ الله اُمَّةً قَتَلَتْكُمْ وَلَعَنَ الله المُمَهِّدِينَ لَهُمْ بِالتَّمْكِينِ مِنْ قِتالِكُمْ، بَرِئْتُ إِلى الله وَإِلَيْكُمْ مِنْهُمْ وَمِنْ أَشْياعِهِمْ وَأَتْباعِهِمْ وَأَوْلِيائِهِمْ. يا أَبا عَبْدِ الله إِنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ.

لقد مثلت عاشوراء الامام الحسين (ع) الفاصلة البيّنة بين الحق والباطل، وأزالت كل الشوائب والغواشي والمضللات بحيث أنها لم تعطي مبرراً لأحد أن يضع يده في يد الشيطان والباطل تحت مبرراتٍ لا تصمد أمام الموقف الحسيني الذي قدم نفسه وأهله وعياله وخيرة أصحابه من أجل إحقاق الحق وإزهاق الباطل.

كان الثمن غالياً جداً حيث قُتِل الحسين وعياله وأصحابه وسبيت نسائه، كل ذلك من أجل حفظ الحقيقة من التحريف والضياع.

ومن الآثار التي جعلت قضية عاشوراء حاضرة بمفاهيمها الأصيلة في حياة الامة هي الزيارات الواردة عن الأئمة المعصومين عليهم السلام، ومن هذه الزيارات هي زيارة عاشوراء التي حفظت لنا القيم والرسائل والمبادئ الحسينية التي تمثلت في حفظ مفهوم الولاية والبراءة الحركية.

هناك مفهومين للولاية والبراءة:

المفهوم الأول: مفهوم ظاهري ومشهور وكأنه مفهوم مذهبي.

المفهوم الثاني: نسميه الولاية والبراءة الحركية.

لذلك يمكن أن نفهم هذه الولاية والبراءة من منظور زيارة عاشوراء، الولاية هنا بمعنى المحبة والانتماء والنصرة بالقول والفعل، بحيث نتألم بمصاب الإمام الحسين (ع) ونتفاعل معها في حياتنا، ونهتف في الشعارات التي رفعها الإمام الحسين (ع) من أجل تثبيت القيم والمبادئ، ونبيّن الموقف الحسيني الصامد والثابت المتصدي للظلم والجور والقهر بالكلمة الجريئة والموقف الصريح وبالقلم الذي يصدح بالكلمة ويسجل الموقف القوي والثائر، ونكون في المواقف التي وقفها الإمام الحسين (ع)، بحيث نتصدى لكل ظلم وباطل وفساد مهما كلفنا في أمننا وأنفسنا وأموالنا واستقرارنا ودعتنا وراحتنا، كل ذلك يكون في سبيل الله ورفع الظلم والتصدي للجهل والباطل، وهذا التصدي يسري في كل الميادين السياسية والثقافية والاقتصادية والجهادية والاجتماعية، والولاية تسري في القلب وباللفظ والفعل، ولا ينبغي أن تكون هذه المفاهيم منتقاة بحيث تتناسب مع مصالحتا ورغباتنا، وإلا لما اختلفنا عن أهل الكوفة الذين عبّر عنهم الفرزدق في لقاءه مع الحسين (ع) حين وصفه لأهل الكوفة: «قلوبهم معك وسيوفهم عليك»، قد يكون الشيعي ظاهراً في معسكر اليزيديين حين تكون مواقفه وكلماته في صف ومدح ونصرة اليزيديين حتى لو كان عواطفه مع الحسين (ع)، وعمله اندماج في مشاريع اليزيديين والذوبان فيه.

والبراءة هي بمعنى الانفصال والتباعد وقطع العلقة مع الباطل وأهله وعدم التواجد في المواقع التي يوجد فيها الظالمون والقتلة والمجرمون، وقد تستدعي البراءة بحسب مفهومها الحركي في بعض الأحيان المواجهة والصدام، وقد تصل في أعلى درجاتها إلى الحرب، كما في الزيارة: وحرب لمن حاربكم.

فلا يصح في الوقت الذي ندعي فيه البراءة من أعداء الإسلام والحسين (ع) أن نضع أيدينا في يد من يحارب أهداف الحسين (ع) وقيمه وشعائره ومن يضيّق على ذكر الحسين ويلاحق كلمة الحسين، ولا يصح أن ندخل في البرامج التي يضعها أعداء الحسين وننفذ ما يطلبه أعداء الحسين (ع)، هم يخافون من شعارات مكتوبة على قطعة قماش نعلقها في شوارعنا، ما هذه الشعارات إلا كلمات الإمام الحسين (ع)، لذلك هم يحاربون كل فكرة تأصّل لمنهج الحسين وشعاراته.

هم لا يحتملوا بقاء قطعة القماش لكي لا تتثقف الأجيال بثقافة الحسين (ع) وفكره ونهجه، الولاية التي نستلهما من زيارة عاشوراء هي كالتالي:

الولاية القلبية: تتمثل في التفاعل العاطفي مع مأساة عاشوراء المتمثل في عظم الرزية والمصيبة، حيث نقول: «عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ وَجَلّتْ وَعَظُمَتِ المُصِيبَةُ».

الولاية اللفظية: هي الجهر بمحبة الحسين (ع) وأهل بيته وما إقامة هذه المجالس وهذه المراسم والشعائر إلا إظهاراً لهذه المحبة حيث تقول الزيارة: «السَّلامُ عَلَيْكَ يا أَبا عَبْدِ اللهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يابْنَ رَسُولِ الله، السَّلامُ عَلَيْكَ يابْنَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وَابْنَ سَيِّدِ الوَصِيِّينَ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بْنَ فاطِمَة سَيِّدَةِ نِساءِ العالَمِينَ».

الولاية العملية: هي أن نعيش السلم لمن سالم الحسين وليس لمن حارب الحسين، نعم؛ عاشوراء تبعث السلام ولكنها تبعث السلام لمن يسالم الحسين (ع) وشعائره وفكره ونهجه، وليس السلام مع من يحارب ذكر الحسين وشعائره وقضيته ويلاحق كل ذكرٍ للحسين، فالسلم لمن سالم الحسين وليس لمن حارب الحسين، من حارب الحسين نحاربه ونتصدى إليه ونقف في وجهه ونصرخ في وجهه ونرفع السيف في وجهه، فالسلم لمن سالمكم، السلام مع من يسالم الحسين وثقافته ومدرسته ومشروعه، والذي هو منهج النبي الأكرم (ص) والذي عبر عنه الحسين (ع): «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله (ص).

والبراءة المستوحاة من زيارة عاشوراء هي البراءة القلبية واللفظية والعملية:

البراءة القلبية: تتمثل في قوله: «بَرِئْتُ إِلى الله وَإِلَيْكُمْ مِنْهُمْ وَأَتَقَرَّبُ إِلى الله ثُمَّ إِلَيْكُمْ بِمُوالاتِكُمْ وَمُوالاةِ وَلِيِّكُمْ وَالبَرائةِ مِنْ أَعْدائِكُمْ وَالنَّاصِبِينَ لَكُمْ الحَرْبَ وَبِالبَرائةِ مِنْ أَشْياعِهِمْ وَأَتْباعِهِمْ».

البراءة اللفظية: تتمثل في قوله: « فَلَعَنَ الله اُمَّةً أَسَّسَتْ أَساسَ الظُّلْمِ وَالجَوْرِ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ، وَلَعَنَ الله اُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقامِكُمْ وَأَزالَتْكُمْ عَنْ مَراتِبكُمُ الَّتِي رَتَّبَكُمُ الله فِيها، وَلَعَنَ الله اُمَّةً قَتَلَتْكُمْ وَلَعَنَ الله المُمَهِّدِينَ لَهُمْ بِالتَّمْكِينِ مِنْ قِتالِكُمْ».

البراءة العملية: عبرت عنها الزيارة: «حَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ».

لا يصح أن نضع أيدينا في يد من يحارب الحسين، وأن اليد التي تصافح اليد الصهيوني هي في معسكر اليزيديين، وهي يدٌ يزيدية، لذلك أود أن أؤكد على مسألة في غاية الأهمية، إن التوزيرات الأخيرة التي حصلت في البحرين وحصلت لبعض الشيعة، وتم الدفع لبعض الشيعة بأن يلاقوا سفير الكيان الصهيوني، هذه لقاءات مرفوضة وعلى كل من قبل التوزير أن يتدارك موقفه ويتراجع عنه، وينسحب ويقدم استقالته من هذه الوزارات وإلا سوف يتم تمييع هذه المفاهيم وسنكون جزءاً من المشروع الصهيوني.

حينما نقول: «فَلَعَنَ الله اُمَّةً أَسَّسَتْ أَساسَ الظُّلْمِ وَالجَوْرِ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ، وَلَعَنَ الله اُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقامِكُمْ وَأَزالَتْكُمْ عَنْ مَراتِبكُمُ الَّتِي رَتَّبَكُمُ الله فِيها، وَلَعَنَ الله اُمَّةً قَتَلَتْكُمْ وَلَعَنَ الله المُمَهِّدِينَ لَهُمْ بِالتَّمْكِينِ مِنْ قِتالِكُم»، هذا تمكينٌ للقتلة والصهاينة.

هناك موقفان حصلا في أرض كربلاء:

الموقف الأول: متمثل في عمر بن سعد الذي قال كلمته: «أأترك ملك الري والري منيتي؟ أم أرجع مأثوماً بقتل حسينِ؟».

الموقف الثاني: وإن جاء متأخراً إلا أنه خلده التاريخ وهو موقف الحر بن زياد الرياحي، حينما ركب صهوة جواده واتجه نحو مخيم الحسين وقال: هل لي من توبة؟ فقال (ع): من تاب تاب الله عليه.

هذه هي البراءة العملية، الانفصال من معسكر اليزيديين واللحوق بمعسكر الحسين، ونحن وإن كنا ندعي انتماءنا للحسين ومعسكره ومنهجه وخطه، فعلينا أن نعلن براءتنا من اليزيديين المتمثل في السلطة الخليفية وفي الكيان الصهيوني، اليوم يعملون في زج الشيعة في الصفوف الأمامية للتطبيع مع الكيان الصهيوني، لذلك المسألة ليست مقتصرة على الوزراء بل على التجار والأطباء والمدارس وسوّاق التكسي وعلى كل عاملٍ يعمل في البحرين، مترجمين وغير مترجمين، كل من يعمل مع الصهاينة ويتعاون معهم هو يمهد الأرضية لوجودهم في أرض البحرين وتشمله اللعنة التي تأتي في زيارة عاشوراء: «وَلَعَنَ الله المُمَهِّدِينَ لَهُمْ بِالتَّمْكِينِ مِنْ قِتالِكُم».

لذلك هذه دعوة أطلقها من على منبر الإمام الحسين (ع)، في أيام عاشوراء ادعوا أبناء شعبنا الأبي الذين ينتمون لمدرسة الحسين للبراءة من الطاغوت والكيان الصهيوني والخليفيين وعدم الذوبان في المشاريع الصهيونية والخليفية، لذلك الموقف من التطبيع هي البراءة الشاملة اللفظية والقلبية والعملية.

والموقف من الانتخابات المزورة للإرادة الشعبية هو المقاطعة الشاملة والبراءة الشاملة، اليوم هناك مشروع لتزوير إرادة الشعب البحريني، البعض ينظر من منظار ضيق وهو مصالح شخصية، ويتجه من أجل تزوير إرادة الشعب البحريني، إن المشاركة في الانتخابات تشريحاً وتصويتاً هو إيقاع الظلم وتمكين وتمهيد للظلم والظلمة، ليس علينا فحسب بل على الأجيال القادمة، فالموقف من الانتخابات هو البراءة الشاملة وعدم المشاركة في أي مشروع يؤسس لتزوير الإرادة الشعبية.

أما الموقف من التضييق على الشعائر الحسينية الذي يتكرر في كل عام هو الرفض والمقاومة، على الشعب البحريني الغيور الثائر الذي تشرّب من مدرسة كربلاء، تشرّب الإباء والعزة والكرامة أن يعلن رفضه لهذه التحديات وأن ينزل في الشوارع ويلبي تلبية الحسين ويشارك في المسيرات والتظاهرات التي تخرج في يوم العاشر من محرم تحت شعار «لبيك يا حسين».

التلبية العملية والحقيقية التي تصدح برفض الظلم وحكام الجور والتطبيع مع الكيان الصهيوني، وليكن شعارنا شعاراً مدوياً في البحرين بأن لا وجود للكيان الصهيوني وأننا نرفض التطبيع مع الكيان الصهيوني، وليسمع الأرض والعالم كله بالـ«موت لإسرائيل».

في الفترة التي تدعي فيه هذه السلطة الخبيثة بأنها ترعى الأديان والمذاهب وتحترمها، وتجلب لنا المعابد والكنائس وأشخاص من خارج البحرين لتؤسس لهم وجودات غريبة عن مجتمعنا، نجد هناك حرباً على الحسين، ليكن منطلقنا سلمٌ لمن سمالكم وحربٌ لمن حارب الحسين، وسيبقى شعارنا مدوياً «لبيك يا حسين».

اللهم ارزقنا شفاعة الحسين يوم الورود وثبت لنا قدم صدق مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين (ع).

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى