نطاق الفتنة في حياة الإنسان – الفتنة في القرآن الكريم 2

النص الكامل لكلمة القيادي في تيار الوفاء الإسلامي، سماحة السيد مرتضى السندي، مساء الأثنين السبت 6 ديسمبر/كانون الأول 2021 ضمن المحور الثقافي في المجلس الأسبوعي بمركز الخميني (قدس) بمدينة قم المقدسة.


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

أفضل الصلاة والسلام على محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين واللعن الدائم المؤبد على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين

السلام عليكم أيها الأخوة ورحمة الله وبركاته

كان الحديث في اللقاء السابق عن الفتنة في القرآن الكريم، وتحدثنا أن المعنى اللغوي للفتنة مشتق ومأخوذ من صهر الذهب، تعريض الذهب للحرارة الشديدة يؤدي بالذهب إلى تقلبات واضطرابات، هذه التقلبات والاضطرابات تسمى فَتْن، فاشتقت كلمة ومعنى الفتنة من هذه التقلبات والاضطرابات، وجرت واستخدمت في التقلبات الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية و… من الأمور.

وسميّت كل هذه التقلبات والاضطرابات بالفتن، هذا ما تحدثنا عنه في الجلسة السابقة، السؤال الذي يمكن أن نطرحه اليوم هو: هل يمكن للإنسان والمجتمع أن يعيش بلا فتن أو لا؟ أي يمكن للإنسان أن يعيش طوال حياته دون أن يتعرض للفتن أو لا؟

من حيث الإمكان العقلي، نعم ممكن أن الإنسان لا يتعرض للفتن، ولكن الله سبحانه وتعالى أقسم على ذاته ونفسه، وهذه غاية من غايات الخلق، هي أن يفتتن البشر ليصلوا إلى مراحل كمالهم ويتكاملوا، لكي يصلوا إلى مرحلة أسمى وأعلى وأفضل، والآيات الكريمة التي تتحدث عن الفتنة كثيرة جداً، نحن إذا أردنا أن نعرف ما هي الغاية من الفتن؟ نجد إن من أهم غايات الفتنة هي استخلاص معادن الناس وتكامل الناس وسموهم ومعرفة حقيقتهم، لذلك نجد في قوله تعالى: <الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا>[1] بعض الأحيان القرآن يستخدم كلمة البلاء والابتلاء بدلاً من كلمة الفتن، ولكن هي معنى واحد ومتقارب وهي الاضطرابات والتقلبات التي تصيب الإنسان وتخرج حقيقته، هنا الله يقول نبتليكم بالحياة والموت،‌أي الحياة ابتلاء والموت ابتلاء.

لماذا الله سبحانه وتعالى يبتلينا بالموت والحياة؟

ذلك للتمييز بين الحسن والقبيح من الأعمال، تقول الآية <الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا> من الذي يعمل عمل صالح ومن الذي يعمل عمل سيء، يعطيه فرصة للحياة ونهاية للحياة وهي الموت، كالمسابقة التي يتم إعطائها الإنسان، حيث يقال للإنسان تبدأ المسابقة من هذه الدقيقة لهذه الدقيقة، على الإنسان أن يعمل عملاً صالحاً أو عملاً طالحاً، خيراً أو شراً في هذه البهرة الزمانية، وهذه فتن للإنسان حيث يمتحن ويختبر في هذه المدة الزمانية بين الحياة والموت، وفي قوله عز وجل <وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ>[2] أيضاً استخدم كلمة لنبلونكم، كلمة نبلونكم فيها أكثر من أداة تأكيد، <وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ>.

لماذا يريد الله أن يعلم منهم المجاهدين ومنهم الصابرين؟

لأن في الرخاء بدون البلاء كلٌ منا يدعي أنه مستعد أن يجاهد ويضحي في سبيل الله، الجهاد بماذا يقترن؟ يقترن الجهاد بالألم والجراح والقراح والموت والقتل والسجن والهجرة وبذل المال والنفس، كلٌ منا يدعي في الرخاء أنه مستعد أن يجاهد في سبيل الله، بل يقول لو أتيحت لنا فرصة الجهاد لما قصرنا، ولكن ليست هناك فرصة للجهاد، نعم لبنان والعراق وفلسطين حصلوا فرصة للجهاد ولكن نحن لم نحصل فرصة للجهاد، لو حصلنا لأريناك ماذا نفعل، لكن الله سبحانه وتعالى يبتلينا ويختبرنا، يقول هناك جهاد خاص بكم لنرى من منكم الصادق ومن الكاذب، من الذي يضحي بحق وحقيقة، من الذي يقدم دينه على دنياه، من الذي يقدم دينه على ملذاته ورغباته وشهواته، من الذي يقدم نفسه وماله وأولاده وعياله في سبيل الله على ابتلاء واختبار <وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ> الله لا يعلم؟ يعلم الله ولكن نحن كثيرين الادعاء، نحتاج أن نعرف هذه الحقيقة، الإنسان لا يعرف عن نفسه، يظن أنه لو أتيحت لي الفرصة لأبليت بلاءً حسناً، ولكن حينما يأتي حقيقة الموقف نرى الأقدام تتزلزل، نرى التلكؤ والتراجع والتوقف والبحث عن الأعذار للتخلف عن الجهاد، هذا الأمر ليس حصراً على مجتمع دون آخر، هذه سنة لكل البشرية، كل أمة تبتلى بشيء، أحد معايير الابتلاء معرفة المجاهدين والصابرين، تريه ما يحدث في اليمن وما يجري على الأخوة في اليمن يقول لك: لو كنا نحن في هذا الموقف لصبرنا، نحن يفصلونا عن العمل يجلس يرن إلى يوم الدين، هذا ليس قتلاً لأولاده كلهم في ليلة واحدة، ليس هدم بيته في لحظة واحدة، ابتلاءات صغيرة نفشل ونسقط فيها، الله سبحانه وتعالى يريد أن يعرف المجاهدين حقاً وليس الذين يدعون، يريد أن تلتفت لنفسك، تظن أنك مجاهد ولكن في حقيقة الأمر أنت لست بمجاهد، أنت تظن أنه في ساعة الوثبة ممكن أن تصبر ولكن من أن تبتلى باختبار بسيط، نرى بأن هذا الجمع الهائل يتضاءل إلى أن يتحول إلى فئة قليلة وهم الصابرون.

الله سبحانه وتعالى في آية أخرى <وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ> هذه أيضاً من آثار الفتنة، قلنا بأننا لماذا أسميناه فتنة؟ لأنه نعرض الذهب للحرارة الشديدة فتتساقط الشوائب من الذهب، فيبقى ذهباً صافياً نقياً، هذا يسمى تمحيص، الأمم والمجتمعات والشعوب تتعرض للابتلاءات والتقلبات والاضطرابات والفتن فتتساقط الشوائب من هذه المجتمعات وتتساقط الصفات الرذيلة من شخصية الإنسان، أي لدينا تمحيص لفرد ولمجتمع، تمحيص الفرد يتم لأن الإنسان في البلاء يكتشف نقاط ضعفه، بعضهم ينهار بشكل كلي، والبعض يكتشف نقاط الضعف فيه فيقومها ويسد الثغرات في شخصيته، يرى بأنه جبان فيحاول أن يشجع نفسه، يرى أنه لديه نقص في المعرفة، يحاول أن يسد جانب النقص في المعرفة، يجد في نفسه البخل والشح، فيحاول أن يعود نفسه على البذل والعطاء والتضحية والفداء، إذاً الفتنة تمحص الإنسان بأن تشير وتدلل على نواقص الإنسان وشخصيته، الإنسان الذي يريد أن يتكامل، حينما يدرك نواقصه يسارع في سدها، الإنسان الكسول اللامبالي غير الجاد يكتشف نواقصه ولكنه لا يتحرك لسد هذه النواقص فيسقط في الامتحان.

ولدينا المجتمع، <وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ> التمحيص للمجتمع يتم لأن بعض المجتمعات يكون فيها بعض الأفراد وجودهم عبأ على الأمة ويبطئ حركة الأمة ويشلها ويعيق حركة الأمة ومسارها، في هذه الامتحانات هؤلاء يتساقطون فتسرع حركة الأمة وتنهض وترشد، هنا يقول <وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ> بعض الأحيان يعتقد أن في قلبه حباً لله، ويعتقد أنه مستعد للتضحية في سبيل الله، في داخل قلب الإنسان هناك نزعات للخير والشر، هناك ميول للخير والشر، في الابتلاء ماذا يحصل؟ يغلب طرف على طرف، لدينا فتنتين:

  1. فتنة سرّاء
  2. فتنة ضرّاء

فتنة السرّاء هي هذه الدعة التي نعيشها، الأمن، المال، الفراغ، السلطة، القوة، هذه تجعل الإنسان يتراخى، الله سبحانه وتعالى يختبره بفتنة السرّاء، هل يشكر أم يكفر؟ يشكر فيطيع الله سبحانه وتعالى ويبذل ما عنده من قدرات وعطاءات ومواهب في سبيل الله أو أنه يبخل ويشح ويعصي عن الله سبحانه وتعالى، إذاً تمحيص ما في القلب، ما يسيطر على القلب ويغلب عليه، وهذا مهم جداً، لأن بعض الأحيان كما أشرت ينغش الإنسان بما في قلبه، هو يعتقد ان ما في قلبه الخير، لكن في الفتن يكتشف أن ميوله للشر والشهوات والدعة والرخاء أكثر من ميوله للعطاء والتضحية والبذل في سبيل الله، فهذا التمحيص والابتلاء يخرج مكنون ما يحويه القلب.

بعض الناس حينما يتحدث معك تراه ملكاً مقرباً من خلال المواعظ والنصائح والأحاديث والروايات، قد أكون أنا منهم، ولكن حينما يختبر ويبتلى يتساقط الرجال والكبار، نجد أن كل ما سطره من كلام وأوراق وكتب ومجلدات وأحاديث تتساقط في الاختبار العملي، هذه معنى <وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ> لأن ما في القلب يخرج على سلوك الإنسان، متى؟ في الفتنة، في الفتنة الذي راسخ في قلب الإنسان يترجم إلى السلوك، في وقت الرخاء ممكن يظهر بصفة الخير والمعطي والمحسن والكلام الجميل، ولكن من تصبح الفتنة يخرج مكنون الإنسان، بعدها الممارسات الخارجية هي التي تظهر حقيقة الإنسان وشخصيته، فنحن لا يمكن أن نعرف حقيقة الإنسان إلا حينما تشتد الفتن والابتلاءات والمحن، حينها نكتشف سرائر الأشخاص والأفراد.

نعم، الفتن ممكن أن تمثل نقطة ضعف وسقوط للإنسان، ولكن يمكن أن تكون محطة جديدة لتصحيح مسار الإنسان، الإنسان الواعي البصير الرشيد هو الذي حينما يبتلى ويفتتن يستفيد من هذه الفتنة ليعرف نقاط ضعفه ليكملها ويرممها ويسدها، لكي لا يقع في النقاط الضعف التي عاشها، ممكن أن تتحول محطة الفتنة إلى محطة تكامل ورقي وسمو، وممكن أن تكون محطة سقوط وانحدار وفشل.

في النهاية أجيب رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: «لا يقولن أحدكم اللهم أني أعوذ بك من الفتنة» يقول لا تستعيذوا من الفتنة، ماذا نقول إذاً؟ علمنا يا أمير المؤمنين ماذا نقول، إذا الفتنة نسقط ونفشل فيها، ماذا نقول؟ قال: «لا يقولن أحدكم اللهم أني أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس أحد إلا وهو مشتمل على فتنة ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلات الفتن». إذاً هناك فتن تضل بالإنسان وهناك فتن تصحح مساره وترشده وتوقظه، نحن إذا علينا أن نستعذ فلنستعذ من مضلات الفتن التي تبعدنا عن الطريق الصحيح.

أسال الله سبحانه وتعالى أن لا يبتلينا وفتن صعبة لا نطيقها ولا نتحملها وتكون سبباً لسقوطنا وفشلنا وأسأل الله أن يأخذ بأيدينا لما فيه صلاحنا ونجاتنا ويهدينا ويرشدنا ويعصمنا من مضلات الفتن والحمدلله رب العالمين.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى