الشيخ زهير عاشور: هناك حق وهناك باطل

النص الكامل للمحاضرة العاشورائية الأولى التي ألقاها القيادي في تيار الوفاء الإسلامي، سماحة الشيخ زهير عاشور في إحياء ليالي شهر محرم 1443 بمعتقل سجن جو المركزي في البحرين.


تمهيد

هناك حق وهناك باطل، وهناك ظاهر وهناك باطن، وهناك قشر وهناك لب، وهناك إيمان وهناك نفاق، وهكذا تطول القائمة بين أشياء لا توجد بينها تفاوت على مستوى الظاهر والنظر البدوي والرؤية السطحية، بل لا يمكن الوقوف على التفاوت بينها، إلا بعد الفحص والتدقيق وامتلاك بصيرة تخترق ما هو زيف ودعاوى فارغة وتصل إلى ما هو صدق وحقائق واقعية.

والآثار الواقعية تترتب على الأمور الحقيقية لا على الدعاوى والأكاذيب الخادعة، فحتى يصل الإنسان إلى الكمال لابد أن يعيش الإيمان، وأما لو ادعى الإسلام وهو يعيش النفاق، فحتى لو كان من المصلين الصائمين بل ومن المجاهدين في سوح القتال، فإن مثل هكذا منافق لن يصل إلى الكمال، لأن الكمال أمر واقعي وهو مشروط بتحقق الإيمان الواقعي لا الإسلام الظاهري.

وهكذا عندما يكون هنالك ظلم في الحكم وفساد في إدارة البلاد والجور على العباد، فمثل هذا الانحراف والاعوجاج له تحقق وآثار تدميرية واقعية وحقيقية، وعليه فحتى نحكم على معارضة بأنها معارضة حقيقية لا شكلية، فإنه لابد لها أن تواجه مثل هكذا اعوجاج وتتصدى لمثل هكذا انحراف ولا ترضى بشيء من ما يفعله هؤلاء الطغاة البغاة.

وأما إذا كانت المعارضة لا تعمل على اقتلاع الظلم ومحاربة الفساد إلا من خلال الصراخ والإدانات والشجب والاستنكار، وأما على صعيد العمل وبذل الجهد الجهيد في ذلك فهو صفر، لما يؤدي ذلك إلى القتل والسجن، فمثل هكذا معارضة لا تستحق البقاء، بل بقائها تغرير بأبناء الشعب وإطالة إلى أبد معاناته وزيادة محروميته، وهل يرفع داء المريض بمجرد إعطاءه الوصفة الطبية من دون أن يتم علاجه.
لا يزداد الجرح نزفاً عندما يبتلى الشعب بأفراد يسمون أنفسهم معارضين، يقدمون في المحافل ويظهرون في وسائل الإعلام ويتقدمون مسيرات الاعتراض، والحال أن مثل هؤلاء المعارضين لا يملكون المؤهلات الكافية لا الفكرية ولا الروحية ولا السلوكية ليتقدمون مسيرة الشعب، ووقوفهم في معارضة ضد نظام الحكم.

وما فشل كثير من الثورات وعدم وصول الثوار إلى مطالبهم وتحقيق أهدافهم واسترجاع حقوقهم، إلا بسبب ابتلاء الشعوب بمعارضات كاذبة خاوية، وبمعارضين متملقين وفي أحسن الظروف غير كفوئين، والنتيجة وقوع البلية والفاجعة على الشعب واستمرار معاناته، وهكذا يستمر نزف جراح الثورات.

إيمان ونفاق

هناك إيمان وهناك نفاق، فالمؤمن من يكون صادقاً في إسلامه حيث يظهر ما يبطن فهو مسلم في ظاهره وباطنه، وأما المنافق فهو كاذب في إسلامه فهو يظهر الإسلام لكنه يبطن الكفر والإلحاد.

المنافق وإن شملته الأحكام الظاهرية من طهارة بدنه وحلية ذبيحته إلا أن هناك أحكام أخرى لا تتكئ ولا تعتمد على الظاهر، بل هي خاصة بأولئك الذين آمنوا في باطنهم بالثواب والجنة والحياة السعيدة والطمأنينة في الدنيا والفوز بالآخرة.

بين الدعاوى والحقائق

وعليه فلابد أن نكون دقيقين لهذه المسألة الحساسة وحذرين اتجاه هذه الازدواجية بين الظاهر والباطن، والقشر واللب، والدعاوى والحقائق، فليس كل ما يقال فهو صدق واقع، ولا كل ما يدعى فهو حق حاصل، والآثار تترتب على واقعية الأشياء لا على الأوهام والخيالات والأكاذيب.

فهناك عالم حقيقي وفي قباله هناك عالم مخادع، وظاهره علم وباطنه جهل، وقشره هداية وباطنه غواية وصورته إنسان وباطنه حيوان كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام في وصف هؤلاء المتسمين بالعلماء: وآخر قد تسمى عالماً وليس به، فاقتبس جهائل من جهال، وأضاليل من ضلال، فالصورة صورة إنسان، والقلب قلب حيوان، لا يعرف باب الهدى فيتبعه، ولا باب العمى فيصد عنه، فذلك ميت الأحياء.

كما أن هناك مسجد قباء المؤسس على التقوى، وفي قباله مسجد ضرار المؤسس على الكفر والنفاق، بني لطاعة الشيطان ومعصية الرحمن، اقيم لأجل بث الفرق بين أبناء الإنسان، ومن أجل التكالب على دولة الإسلام وإمام الزمان.

معارض ومعارضة بين الدعاوى والحقائق

فالمعارض والمعارضة ليستا بكلمتين تكشفان عن الواقع وتتحقق دائماً، فليس كل معارض معارض واقعاً، ولا أن كل معارضة بمعارضة حقيقية، قد يسمى المعارض وليس به وإنما يأخذ الاسم والعنوان ويركب على أكتاف الناس كي يصل إلى غاياته وأهدافه الشخصية والفردية.

فهناك معارضة جوفاء وهناك معارضة حقيقية، فالمعارضة الحقيقية هي التي تقف في وجه الظلم وتنصر المظلوم، وتقدم مصلحة الأمة على المصالح الفردية والحزبية، ويكون الإصلاح الحقيقي مسماها واقتلاع الفساد، وكل همها لا تقر على كظة ظالم ولا سغب مظلوم.

فكيف يثق شعب معارضة تعيش الرفاه والثروة والتلذذ بمقدرات الأمة، والشعب يصطلي بالحرمان ويقرصه الجوع وتعصف به سياسات الظلم الطائفي، ومثل هكذا معارضة تنظر إلى شعبها نظرة دونية.

إن المتقدم لمسيرة الشعب عليه أن يعيش معانات شعبه، يتألم لآلمهم ويئن لمعاناتهم ويتجرع ما يتجرعه أبناء وطنه، فهو واحد منهم بل هو خادمهم وساهر على تحقيق مطالبهم كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: أأقنع من نفسي بأن يقال ها أمير المؤمنين ولا أشاركهم مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش.


فلسطين وجواهر رجال

ولنا عبرة بما يحصل في سوريا عندما وصلت الأمور إلى أوج الافتتان والامتحان في الاصطفاف مع أي جهة، حيث أن تجد عالم الاستكبار قد وقف في وجه أمة حزب الله فكانت الحرب الكونية في سوريا، وما يهمنا هنا أننا نرى أين اصطف من كان يدعى كذباً وزوراً أنه مع الحق ومع مطالب شعبه، حماس وما أدراك ما هي، فقد بانت الطائفية في حرب سوريا وهناك حركت الأحقاد البدرية والخيبرية والحنينية وغيرها، وإذا بحماس وبشقها السياسي تصطف مع الباطل، حيث ينتقل خالد مشعل من سوريا إلى قطر، وكانت إذ ذاك تدعم حلول التكفيريين، وللأسف أن حماس الشق السياسي وظف الوسائل التي علمها إياه حزب الله ضد أمة حزب الله في صناعة الخنادق.
ولا أنسى وقفة محمود الزهار القائد في حماس بشقها العسكري، فبعد أن توجه خالد مشعل وهنية وغيرهما إلى قطر كي يعلنوا اصطفافهم مع معسكر الشر والاستكبار العالمي، وإذا به محمود الزهار يذهب إلى طهران ويعلن وقوفه مع جبهة الحق وأمة حزب الله.

وهنا نصل إلى العبرة حيث أرسل الزهار رسالة توبيخية للمتظاهرين بحماية الشعب الفلسطيني، كانت محتواها هذه النتيجة التي وصلتهم لها اليوم سببها أنكم كنتم تعيشون بعيدين عن شعبكم، متنعمين برفاه بفنادق خمس نجوم، والحال أن غزة محاصرة تعيش المعاناة، يقول الإمام علي عليه السلام: في تقلب الأحوال علم وجواهر الرجال.

وما سر بقاء مظلومية الشعب الفلسطيني ليومنا هذا، إلا بسبب وجود مثل هؤلاء الذين يعيشون النفاق والدعاوى الفارغة في حماية شعبهم وتحرير أرضهم، ولولا وجود أمثال هؤلاء الأبطال، لانتهت قضية فلسطين من غابر الأزمان وإنا لله وإنا إليه راجعون.


الوجه الثاني للحكام الطغاة

ومن أعجب ما في هذا الإنسان تراه اليوم معارضاً لنظام الظالم، وبعد حين تجده الوجه الثاني لنظام الظالم، فما أن يسقط النظام الجائر وتأتي مثل هذه المعارضات الخادعة ويتربع المعارضون على كرسي الحكم، حتى يخرج ما في مكنون نفوسهم وخبث أساريرهم، فيبطشون ويظلمون ويجرعون شعوبهم بأشد ما عانوه عندما كانوا تحت هيمنة طغاتهم يقول تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴿204﴾ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ .

ولا عجب في مثل هكذا أمر، وذلك لأن المعارض كان ظاهره جميل ولكن كان باطنه مسانخ ومشابه للنظام الظالم والحاكم الجائر، فهما وجهان لعملة واحدة ولا اختلاف بينهما إلا في الاسم، معارضة ونظام]، وهذا الاختلاف آني وما أن ينتقل المعارض إلى سدة الحكم ويكونون حكاماً، حتى يبرز ما في مكنون صدورهم ويظهر ما تم التستر عليه طوال تلك المدة من معارضتهم، يقول الإمام علي عليه السلام: ما أضمر أحد شيء إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه .

وعليه فلا ينبغي التسليم لكل من وصف نفسه بأنه معارض، بل لابد أن نرى ما يحمله من أفكار ورؤى كونية، وما يتصف به من صفات وملكات أخلاقية، وما يمارسه من سلوك وفعل خارجي، فإن كان يعيش الإسلام والإيمان حقاً وحقيقة وقد ثبت صدقه من خلال الامتحان تلو الامتحان، فعندها يمكن أن نثق بمثل هكذا معارض، وإلا فإن إسلام البلاد والعباد والأشخاص لم يثبت صدق نواياهم وسلامة منهجهم ولا صلاح سريرتهم وسيرتهم، فإن هذا جهل وجهالة وتضييع للأمة بسبب سوء اختيارها وتقصيرها في تقديم قيادتها ومعارضيها والسعيد من وعض بغيره.


وضاعت الثورات

وهذا التاريخ يحكي لنا عن ثورات قدمت آلاف من الشهداء وآلاف الآلاف من السجناء والتضحيات حتى أسقطت أنظمة جائرة وحكومات ظالمة، ولكن مع قدوم معارضات مخادعة كاذبة غير صادقة وإذا بالشعب يئن مرة ثانية وينزف جرحه ثانية وتستمر معاناته من رفاق الأمس الذين كانوا معه في خندق ضد من ظلمهم جميعاً.

نعم فمن يعيش الطغيان في داخله وعدم العبودية لخالقه، واتباعه لهواء نفسه وعبادته لذاته ولمصالحه ولرغباته، أو يكون ساجداً لصنم حزبه وجماعته، فاليوم سيخرج هذا الطغيان للعيان ويظلم الكون بظلم سريرة مثل هؤلاء العملاء ويتلوث ماء الحياة بسمومه والله المستعان.

فدول الاستكبار العالمي والأخص دول الاستعمار التي كانت تحكم هذه البلدان، فإنها لم ولن تتخلى عن أوطاننا فهم يغيّرون العناوين كي ينخدع عامة الناس، فبالأمس استعمار واليوم أنظمة دكتاتورية وغداً سيمكنون عملائهم الذين ربوهم بأفكار علمانية داعين لدولة مدنية وحرية غربية، فهل نمكّن الاستعمار على رقابنا مرة ثانية بتمكين مثل هؤلاء ربيبين الأمريكان والبريطانيين، فعلى الشعب وعلى الثورات الخزي والعار والتأخر والضياع إن وليت مثل هكذا معارضين يكونون حكاما غدا يقول تعالى: كُلَّمَا دَخَلَتۡ أُمَّةٞ لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ .


داء الشعوب في معارضتها

عندما يكون هناك طبيب واقعاً يشخص الداء ويصف الدواء المناسب عندها سوف يكون الشفاء من المرض، وأما إذا تجرأ البعض وأخذ موقع الطبيب كذباً، ووصفه الدواء للأمة جهلاً، فمضافاً إلى أن المريض لا يشفى من سقمه، فإنه قد يكون سبباً في هلاكه أو ازدياد معاناته.

وهكذا عندما تتقدم المسيرة وتقود القافلة معارضة غير كفوءة ومعارضة لا تملك مؤهلات المعارضة ولا تملك القدرة على تشخيص داء الأمة ولا الكفاءة على إيجاد دوائها وحل مشاكلها، بل قد تصف دواءً قاتلاً يأتي على الأمة وعلى كل مقدراتها، وعندها لن يخرج الشعب من معاناته ولن يسعد في حياته بل قد يخسر حتى آخرته.

فإذا حملت المعارضة خللاً في المنهج وتخبطاً في السلوك وضياعاً في الأفكار والروئ، فكل ذلك سيجر الويلات على من وثق بهم وسار خلفهم وأمل السعادة والنجاة في الركوب في سفينتهم.

وعليه فكل من يحمل غير فكر الإسلام الأصيل ويدعوا لعبادة غير رب العالمين من خلال الدعوة العلمانية ويفصل فيه الدين عن السياسة والدنيا عن الآخرة، مضافاً أنه يوجد معارضين لا يعيشون الإسلام في فكرهم ووجدانهم وأخلاقهم وسلوكهم، فالشعوب التي تسير خلف مثل هكذا معارضة لن تحصل على سعادتها الواقعية ولو كانت تتمنى ذلك كل صبح ومسية، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا .

فمن يحب شعبه ويسعى لإسعاد أبناء وطنه ورفع الظلامة عن أحبته، فليسلك الإسلام منهجاً وليعش الإسلام وجداناً وليجاهد نفسه ويخالف هواه قبل أن يجاهد طغاة الزمان، وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ . فمن طلب الهداية من غير أهلها ضلّ ومن سعى لسعادة في غير الإسلام فقد شقي.


  • الشيخ زهير عاشور
  • المكان: معتقل سجن جو المركزي – البحرين
  • التاريخ: محرم 1443 هـ

تحميل المحاضرة PDF

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى