رسالة الأستاذ عبد الوهاب حسين من سجن جو إلى أمهات وأهل وأقرباء المجاهدين

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى أم كلّ مجاهد همه أمر الإسلام والمسلمين، والوطن والمواطنين، فرفعَ راية الجهاد والكفاح والنضال ليكونَ دينُ الله الأعلى، وحزبُه الأقوى، وليصونَ شرفَ الأمّة والوطن ومجدهما وكرامتهما، وليجسدَ إرادة الله ومنهجَه في الحياة والحق والعدل والخير والفضيلة والصلاح، فلحقه الأذى في نفسه وأهله، الماديُّ والمعنويُّ كالقتل والسجن والتعذيب والتهجير القسري والتضييق في أسباب العيش والتشهير وتشويه السمعة ونحو ذلك، وإلى أبيهِ وزوجتهِ وأولاده وإخوانه وأقربائه وكافة أحبائه الأعزاء الأوفياء.

إنَّ الجهادَ بابٌ من أبواب الجنة فتحه الله تعالى لخاصّة أوليائه، وهو لباس التقوى والصلاح، ودرع الله الحصينة وجنته الوثيقة، وعماد الدين ومنهج السعداء الماجدين، وإنَّ صبرَ المسلم في بعض مواطن الجهاد يومًا واحدًا خيرٌ له من عبادة أربعين سنة، وما صلُحتْ دنيا ولا دين إلا بالجهاد والتدافع، وهو أشرف الأعمال الصالحة بعد الإسلام، وتركه يورث حتمًا الذلّ والهوانَ والصغّار، وتراكم الظلم والفساد.

والمجاهدون الماجدون نهضوا بما هو واجبٌ عليهم عقلاً وشرعًا ولبّوا نداءَ العقل والدين والضمير والفطرة، وهم أحباء الله تفتح لهم أبواب السماء وأبواب الجنان ليدخلوها بغير حساب، فالجهاد شرفٌ عظيمٌ للمجاهدين اصطفاهم الله تعالى واختارهم له وخصّهم وفضّلهم وشرّفهم وأكرمهم به دون غيرهم، فليس لهم على الله تعالى مِنّة؛ بل له المنة العظيمة عليهم إذ هداهم ووفقهم للجهاد واختارهم واصطفاهم له ليرضى عنهم وليقربهم إليه زلفى وليدخلهم جنته.

وأهلُ المجاهدين الأَبَوانِ والزوجة والأولاد والإخوان والأقرباء شركاءٌ لهم في الشرف والكرامة والأجر والثواب؛ لدعمهم لهم وصبرهم العظيم معهم، وتضحياتهم الجسيمة من أجل نصرتهم والوقوف إلى صفّهم وهو أمر مشهود ومُقدَّر لهم.

في دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام لأهل الثغور قوله: اللَّهُمَّ وَأَيُّمَا مُسْلِم خَلَفَ غَازِياً أَوْ مُرَابِطاً فِي دَارِهِ أَوْ تَعَهَّدَ خَالِفِيْهِ فِيْ غَيْبَتِهِ، أَوْ أَعَانَهُ بِطَائِفَة مِنْ مَالِهِ، أَوْ أَمَدَّهُ بِعِتَاد، أَوْ شَحَذَهُ عَلَى جِهَاد، أَوْ أَتْبَعَهُ فِي وَجْهِهِ دَعْوَةً، أَوْ رَعَى لَهُ مِنْ وَرَآئِهِ حُرْمَةً. فَأَجْرِ لَهُ مِثْلَ أَجْرِهِ وَزْناً بِوَزْن وَمِثْلاً بِمِثْل وَعَوِّضْهُ مِنْ فِعْلِهِ عِوَضاً حَاضِراً يَتَعَجَّلُ بِهِ نَفْعَ مَا قَدَّمَ، وَسُرُورَ مَا أَتَى به، إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ بِهِ الْوَقْتُ إلَى مَا أَجْرَيْتَ لَـهُ مِنْ فَضْلِكَ، وَأَعْدَدْتَ لَهُ مِنْ كَرَامَتِكَ.

ومن الواجب الحذر الشديد من خذلان المجاهدين، والإساءة إليهم بالاقوال والأفعال في السر والعلانية، وإسلامهم الى عدوّهم؛ فإنَّ الله تعالى يغضبُ للمجاهدين كما يغضبُ للرسل الكرام، ويستجيبُ لهم كما يستجيبُ للرسل الكرام “عليهم السلام”، وكما أنَّ في دعم المجاهدين ومساندتهم شرفٌ عظيم لا يوصف، فإنَّ في خذلانهم لؤم وجُحود ونقصٌ مبين لا يُقاس، وحرمانٌ من شرفِ المشاركة والمشاطرة وكرامة الاستحقاق.

إنَّ أقوى ركنٍ يأوي إليه المجاهدون -بعد الله تعالى- هم الأهل والأقربون، فإن أسلموهم وخذلوهم شعروا بالغربة والمرارة التي تتضاءَلُ عندها مرارةُ ظلم الظالمين، وجور الجائرين سواهم، وربما ضعُفَ عزمهم واهتزَّ ركنهم وتراجعوا وانهزموا وانسحبوا من ساحات الجهاد.

وإنْ ساندوهم شعروا بالراحة والطمأنينة والقوّة وثبتوا في مراكزهم وعلى مواقفهم البطولية حتى يحققوا مرادهم، ويصلوا إلى مبتغاهم وينالوا الشرف والكرامة لأنفسهم ولأهلهم في الدارين الدنيا والآخرة، وهذا هو المَرجوّ والمأمول والمتوقع منهم لا غيره، وإنَّ لنا في الغالبية العظمى من حالات الدعم والمساندة من أهلنا وأصحابنا الأوفياء لقرّةَ عينٍ وسلوى عن كل شئ، وإنَّه لمصدر فخرٍ واعتزاز وشموخ لنا، وأجرهم على الله تعالى وحده.

ومن المؤسف أن يوجد من يرفع ورقة المجاهدين لمجرد التجارة ليربح ويكسب دنيويًا من ورائها، أو يذكرهم على استحياء، أو لرفع العتب أو يفرق بينهم تبعًا لأهوائه النفسيّة وتطلعاته الحزبية، وإنَّ للمجاهدين بذكر الله تعالى لهم وعنايته بهم لغنى عن ذكر غيره ومنّتهم.

وإننا لنتألم كثيرًا ونتجرع بمرارة شديدة المعاناة الجسمية والنفسية القاسية والطويلة لبعض أمهاتنا الحبيبات الماجدات، وآبائنا العظماء الأجلّاء، والزوجات الكريمات الطاهرات، وأولادنا النجباء التي تحرق قلوب الغيارى على الدين والوطن أصحاب النفوس الطاهرة والمشاعر الطيبة النبيلة، والعقول النيرة والضمائر الحية وتهيّج مشاعرهم، وإنا لنشعر بهم وبآلامهم ومعاناتهم كما نشعر بأنفسنا، وإنَّه لجزءٌ من الثمن للصفقة مع ربنا، وعنده نحتسبهم وإنَّه لفي ميزان حسناتهم، وأجرهم واقعٌ على الله تعالى وحده، وهو الذي يربط على قلوبهم ويصبّرهم ويسكّن آلامهم ويثبتهم، وإليه وحده نشكو حالهم ليحكمَ بينهم وبين القوم الظالمين.

وليتهم يعلمونَ ويرون ما يحصل للمجاهدين من الألطاف الإلهية، وينظروا بعين اليقين إلى مايرجوه المجاهدون من الثواب العظيم؛ إذن لسكنتْ نفوسهم واطمئنت قلوبهم، مهما بلغ حبهم وتعلُّقهم بالمجاهدين الذين هم حقيقون وجديرون بالحب لهم والتعلق بهم، ويهون في حسابهم ونظرهم إلى الأمور فراق أحبتهم المجاهدين ومايجري عليهم من ظلم وجور وعدوان، حتى وإن كان عظيمًا في نفسه؛ لأنه بعين الله تعالى ولوجهه الكريم.

الأستاذ عبدالوهاب حسين
معتقل سجن جو – البحرين
الجمعة ٢٤ ذو العقدة ١٤٤٣ هـ
الموافق ٢٤ يونيو ٢٠٢٢ م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى