خطاب عاشوراء “وعي أنصار الحسين عليه السلام”

النص الكامل للكلمة العاشورائية التي ألقاها القيادي في تيار الوفاء الإسلامي، السيد مرتضى السندي يوم الجمعة 13 اغسطس/آب 2013 ليلة الخامس من شهر محرم 1443 بمركز الإمام الخميني بمدينة قم المقدسة حول وعي أنصار الإمام الحسين عليه السلام


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

أفضل الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين

السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين

عظم الله أجورنا وأجوركم بمصابنا بأبي عبدالله سلام الله عليه

مرت ثورة كربلاء وعاشوراء بثلاث مراحل:

  1. التضحية والفداء
  2. الخطاب
  3. الثأر

المرحلة الأولى التي تجسدت بتضحية الإمام الحسين (ع) وأهله وعياله وصحبه، حيث تمثلت تلك المأساة الكبيرة وسطّرت تلك البطولات الكبيرة.

والمرحلة الثانية هي مرحلة الخطاب، والتي يمكن أن نقول إنها ابتدأت في ظهر عاشوراء، هذا الخطاب الذي عكس المظلومية، الذي أوصل رسالة الحسين إلينا إلى يومنا هذا، الذي تمثل في خطاب زينب وزين العابدين، الخطاب الذي سار بالسبايا من كربلاء إلى الكوفة ثم إلى الشام وإلى المدينة، وهو الذي نقل إلينا وإلى كل الأجيال المأساة التي حصلت في كربلاء.

المرحلة الثالثة هي مرحلة الثأر، حينما حصلت مجزرة ومأساة كربلاء، كان الشيعة يعيشون المأساة وألمها بحرقة وطلب الثأر، ابتدأت مرحلة الثأر بثورة التوابين وحركة المختار، وتوالت الثورات التي تنادي بيا لثارات الجسين على طول العصور والأزمان، وسوف تختم بقائم آل محمد الذي سيعرف راية وشعار يا لثارات الحسين.

هذه المراحل الثلاث، ولكن في حديثنا اليوم سوف نتكلم بشكل مختصر عن المرحلة الأولى، وشكلٍ واحد من المرحلة الأولى، حيث إن المرحلة هي مرحلة التضحية والفداء كان فيها جنبتين:

  1. المأساة: هي التي سببت أنهاراً من الدموع، هذه الدموع هي دموع الحرقة والألم، كما عبّر عنها الإمام الصادق (ع): إن لجدي الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لن تبرد أبداً. هذه الحرارة هي بسبب المأساة والجريمة والفاجعة التي حصلت على الحسين في يوم عاشوراء، هذا الجانب يسمّى جانب المأساة والألم والدمعة والحسرة.
  2. التضحية والفداء: لقد سطّر الإمام الحسين وأصحابه ملحمة عظيمة من البطولات التي خلدها التاريخ، والتي شهد بها العدو قبل الصديق، هؤلاء الذين نصروا الإمام الحسين كانوا ثلة قليلة، التاريخ ينقل لنا 72-73 شخص، ولكن بهذه النصرة والموقف خلدوا في التاريخ، ما الذي امتاز به أصحاب الحسين عليه السلام لكي ينالوا هذا المقام الرفيع؟ لقد اتصف أنصار الحسين بعدة صفات، هذه الصفات كانت تتجلى في مواقفهم في ظهر عاشوراء، كانوا يتحلون بالوعي والصبر والصدق والإخلاص واليقين والإيثار والاستقامة والمعرفة، هذه الصفات وغيرها الكثير من الصفات تجلت في أصحاب الحسين في يوم عاشوراء، مما جعلهم يسترسلون في دفاعهم عن إمام زمانهم ويضحون بالغالي والنفيس من أجل نصرة إمام زمانهم حتى خلدوا في التاريخ.

إذا نتكلم في كل صفة سنحتاج لأيام طوال، ولكن سأتكلم عن صفة الوعي، هذه الصفة التي امتاز به أنصار الإمام الحسين تأسياً بالإمام الحسين، في الوعي هناك جنبتين:

  1. الموضوعية الخارجية
  2. الشرعية الفقهية

يعني الإنسان في حركته يحتاج إلى وعي موضوعي خارجي، يقرأ الحدث بشكل صحيح وواضح، يقرأ المشهد بشكل صحيح ويحيط بجزئيات القضايا الخارجية، ويحتاج أن يشخص الموضع الخارجي بشكل دقيق، وبعد ذلك يحتاج أن يعرف الحكم الشرعي الدقيق، أي نحتاج إلى الوعي الموضوعي والفقهي.

أصحاب الحسين كانوا يمتازون بهذين الصفتين، والإمام الحسين منذ حركته وانطلاقته حاول أن يركز على هاتين الجنبتين.

في جنبة الوعي على الواقع الموضوعي الخارجي، تكلّم الإمام الحسين في محطتين:

المحطة الأولى: «أما بعد إنه قد نزل بنا من الأمر ما ترون»، يتحدث عن موضوع خارجي، أي حالة المجتمع الإسلامي في ذلك الوقت «وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها، فلم يبقى إلا صوابة كصوابة الإناء» أي لم يبقى الناس الخيرين إلا عدد قليل، الناس تغيّروا، الدنيا لم تتغير بل الناس هم من تغيّروا، الناس كانوا يرتبطون بالدين لكنهم ابتعدوا عن الدين، كانوا يقبلون على الأخلاق والفضيلة ولكنهم ابتعدوا عنها، كانوا يتمسكون بالقيم لكنهم ابتعدوا، الدنيا لم تتغير، الأرض والسماء والجو لن يتغير، من  يتغيّر هم الناس، هناك كناية بأن الناس هم من تغيّروا، يقول: «ولم يبقى إلا صوابة كصوابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل» يقولون المرعى الوبيل هو المرعى العفن الذي لا يستطيع الحيوان أن يعيش ويرتاح فيه، موجود المرعى ولكن حينما يأتي الحيوان ليستفيد منها، سوف يتضرر، يصوّر الدنيا كأنها تحولت إلى المرعى العفن.

«ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه» الناس تعرف الحق ولكنها لا تعمل بها، وترى الباطل وتعرف الباطل ولكن لا تتصدى للباطل، لذلك تحولت الدنيا إلى المرعى الوبيل، المرعى العفن الذي إذا استفادت منها الحيوانات تتضرر، الناس في هذا الزمن تحولوا إلى قلة قليلة وهم الصادقين، أما الغالبية أصبحوا لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، أصبح الذي يأمر ويعمل بالحق غريب في وسطهم، والذي ينهى عن الباطل الناس تستنكر عليه لأن الموازين انقلبت.

في زمن رسول الله، كان النبي يعلمهم الأحكام الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الناس بدأت تلتزم برسالة الدين وأصبحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، يعملون بالحق وينكرون الباطل، يرفضون الظلم، ينصرون المستضعف والضعيف، أما اليوم الإمام الحسين يصف الحالة الواقعية للمجتمع، بأن الدنيا تغيّرت وتنكرت وتبدّلت، والآن لا يوجد من الصالحين كما كانوا في زمن رسول الله وفي بداية الدعوة، يقول: «ليرغب المؤمن في لقاء الله حقا»، إذا الحق لا يعمل به والباطل لا يتناهى عنه وأصبح الدنيا كالمرعى الوبيل، يقول ليرغب المؤمن في لقاء الله حقا، أي صادقاً في رحلته عن الدنيا، بعد ذلك يقول «إني لا أرى الموت إلا سعادة» الإمام متى لا يرى الموت إلا سعادة؟ عندما تنكرت وتغيرت الدنيا ولم يعمل بالحق وينكر الباطل، فهذه الدنيا لا تستحق البقاء، ويرغب المؤمن بلقاء الله حقاً، بعد ذلك قال «والحياة مع الظالمين إلا برما» برما يعني ضجر، ألم، معاناة، إني لا أرى الحياة مع الظالمين إلا ألم وغصص وضجر، لذلك يقول بالنسبة له يحوّل إلى سعادة، الموت الذي نفر منه أنا وأنت، الذي ذكره يرعب قلوبنا، الإمام الحسين وصل إلى حالة يقول فيه بأن الموت سعادة، والحياة ضجر وألم، لماذا ذلك؟ «ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه» إذا الحق لا يعمل به والباطل لم يتناهى عنه، الشخص يرغب في لقاء الله ويترك الدنيا؟ ليس هذا فقط بل يرى الموت سعادة، أي يركض للموت، يسعى للموت، هذه الدنيا لا تستحق، هذا هو الوعي الموضوعي الخارجي، وصف حالة المجتمع والمسلمين، أي وصل بهم الحال إلى أن الحق لا يعمل والباطل لا يتناهى عنه، إذا وصلت الأمور هذا الشكل فالحياة مع الظالمين ضجر ومعاناة، فيرغب في لقاء الله، أي في الموت في سبيل الله، هذا بالنسبة إلى الواقع الموضوعي.

الحالة الثانية: بالنسبة إلى الجانب الفقهي الشرعي، روى ابن طاووس في كتاب اللهوف، أن مروان التقى الإمام الحسين في صبيحة الليلة التي طلب بها الوالي ومروان من الحسين البيعة ليزيد فامتنع.

يقال بأن مروان ذهب للإمام الحسين والتقى به قبل اللقاء الذي جمع به مع الإمام الحسين في المدينة المنورة، أول ما هلك معاوية، أرسلوا خذوا البيعة من فلان وفلان وفلان، وأحد الأشخاص الذين أكدوا أخذ البيعة منهم هو الإمام الحسين (ع)، وقالوا في حال لم يقبل البيعة فاضربوا عنقه، مروان التقى مع الإمام الحسين في الصباح وقال له بأن لدي مشروع وأريد أن أطرحه عليك، إذا أتوا ليأخذوا البيعة منك ليزيد فبايعه، لكي يمضي بالمشروع، ذهب للإمام الحسين بأسلوب النصح.

كثير من الذين يعملون من أجل الحكام الظلمة، يأتون بلباس الناصح والمرشد، تعالوا اعملوا كذا وتنازلوا للحاكم الظالم، من أجل لا تكون فتنة ويلقى عليكم العذاب والظلم والسجن، قدموا التنازلات للحكام الظلمة وأقبلوا بالعيش الذليل والحكم الغير شرعي، الذين دخلوا السجن يعلمون ذلك، يأتي الضباط بعنوان أنه ينصح المعتقل: أضررت بنفسك وفقدت بيتك وخسرت مستقبلك، ليس شفقةً على السجين ولا حباً بالسجين، بل يريد أن يكسر معنويات السجين ويمضي بمشروع الحاكم الظالم بأقل التكاليف، أتى ليفعل ذلك مع الإمام الحسين (ع).

يقول أن مروان التقى الإمام الحسين في صبيحة الليلة التي طلب بها الوالي ومروان من الحسين البيعة ليزيد فامتنع. فقال مروان للحسين (ع): «يا أبا عبدالله إني لك ناصح فاطعني ترشد» يريد أن يرشد الإمام الحسين، أحد أعوان الظلمة جاء يريد ينصح ويرشد الإمام الحسين، قال له الإمام: «وما ذاك قل حتى اسمع» فقال مروان: «إني آمرك ببيعة يزيد بن معاوية» تنصح أم تأمر؟ هذا الخطاب يبيّن الحالة الطاغوتية الذي يعيشها أعوان الظلمة، يقول للإمام أنصحك فاطعني ترشد، يريد أن يقول بأنه يفهم أكثر من الإمام، بعدها قال إني آمرك، لا زال هذا الطغيان والجبروت والتفرعن يتكلم به مع الإمام الحسين بدون أدب، «إني آمرك ببيعة يزيد بن معاوية فإنه خيرٌ لك في دينك ودنياك» أي يردي أن يقول إنه يفهم في الدين أكثر من الإمام الحسين، فقال الإمام (ع): «إنا لله وإنا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام إذ قد بليت براعٍ مثل يزيد، ولقد سمعت دري رسول الله (ص) يقول: الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان» بيّن الحكم الشرعي، وعندما ألح مروان على الحسين بالبيعة ليزيد ليلتها وطلب حبس الإمام الحسين وقتله، حتى يبايع يزيد، رفض البيعة الإمام الحسين حيث قال: «يزيد شارب الخمر، قاتل النفس المحرّمة، ومثلي لا يبايع مثله».

هذا المنهج والوعي تجسد في الإمام الحسين، وانتقل إلى أنصار وأتباع ومحبي الإمام، طبعاً الناس كانت تعلم بأن الإمام على حق، ولكن المرض الذي شخصه الإمام الحسين «ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه» كان مرض منتشر في كل الأمة، عجيب! كانوا كلهم يذهبون للإمام الحسين إلى الحج ليحجّوا معه، من غيّر الإمام المسار من الحج إلى كربلاء، كلهم تخلوا عنه! بعضهم التقوا مع الإمام الحسين في حدود مكة، قالوا إلى أين يا رسول، جئنا لنحج معك، قال أنا متجه إلى كربلاء، تركوه وتخلفوا عنه.

في تأبين الشهداء قبل أيام تكلمت عن مسألة النصرة وقلت حينها أن النصرة لها ثلاث صور، الصورة الأولى هي نصرة الصادقين وهي التي تكون مع الإمام في السراء والضراء وفي الشدة والرخاء، لا يتخلون عن إمامهم مهما كلفهم الأمر، وهناك نصرة أخرى هي التي تكون مع الإمام فقط في السراء، حينما تأتي الضراء يتخلون عن قائد الأمة، هذه هي الحالة التي تمثل بها الذين كانوا يذهبون إلى الحج مع الإمام الحسين، كانوا مؤمنين ومتدينين ولكنهم مستعدين أن يكونوا مع الحسين في السراء دون الضراء، لذلك كانوا يتأسفون بأنهم لم يحجوا مع الحسين، كان يقول لهم: «خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، فما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف» متجه للشهادة، كانوا يعرفون بأن الحق مع الحسين ومتدينين وصادقين في حبهم للإمام، ولكن كان المستوى الذي مستعدون فيه أن يكونوا مع الحسين هو السراء دون الضراء، بل الأعلى من ذلك، حينما خرج الإمام من مكة باتجاه الكوفة، خرج معه ما يقارب 3500 رجل، كانوا يعتقدون بأن الإمام الحسين صحيح يقول «خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة»، ولكن قد يذهب الإمام الحسين وهناك أخبار وأنباء تتوارد من الكوفة بأنه له أنصار وسيبايعونه وسيصل إلى الحكم، خارجين معه باتجاه الكوفة لكي يصبحوا نائب في البرلمان، ولاية، وزارة، منصب، فكانوا مع الحسين إلى أن وصلوا إلى ذي عسر الذي وصل فيه نبأ مقتل مسلم بن عقيل، حينما وصلوا إلى المنطقة الذي أتاهم النبأ فيها، هنا خطب الإمام الحسين عليه السلام وبيّن لهم وأكد بأنه متجهًا نحو الشهادة، فتقلصت قافلة الحسين إلى أن وصلوا إلى كربلاء وهم أقل من 72 شخص، لأن جون والحر التحقوا، أي الذين وصلوا إلى كربلاء أقل من 72، الكثير التحق بعد أن عسكر في كربلاء، مع هذا الوضوح في الرؤية، كان الكل يعرف بأن الحسين سيد شباب أهل الجنة وأنه سبط النبي وأنه إمام معصوم، هم جاؤوا من أجل أن يحجوا مع حج الإمام الحسين، لكن أين المشكلة؟

«ألا ترون إلى الحق لا يعمل به والباطل لا يتناهى عنه، فليرغب المؤمن في لقاء الله حقاً، إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً».

في قبال هذا المنهج الحسيني، كان هناك منهج ثاني وهو منهج طلب الراحة، يوجد فيه اتجاهين، خطين متوازيين يسيران:

  1. المنهج الثقافي الفكري: كان يغذي ويثقف الأمة بثقافة تخدم مشروع الطواغيت وآل أمية آنذاك.
  2. المشروع الواقعي: كان يخدم آل أمية ويخدم الطواغيت على مر العصور.

هذين الاتجاهين مستمران منذ ذلك اليوم إلى هذا اليوم، ما الذي حصل؟ عندما أراد الإمام الحسين الخروج، عمل آل أمية على ثقافة الجبر والتفويض، نحن مجبرون، مسيّرون، أي يبررون للناس حول قعودهم، بأنهم نحن مسيّرون ومجبورون، ونشروا روايات كذبًا على رسول الله (ص)، إن الإنسان مجبور وليس مخيّر، لو كان الإنسان مخيّر لكان باستطاعته أن يختار أن ينصر الحسين أو لا، لكنه مجبور أن يكون هذا الظالم على رأسه وهو يقبل أن يعيش مع الظالم، فالإنسان ليس مختار ولكن هناك قدر رسم له ويجب أن يتعايش مع هذا القدر، كان هذا المنهج يغذى بروايات كذباً عن رسول الله.

أيضا نشروا روايات بأن الإنسان في الفتنة إذا كان واقفاً فليقعد، وإذا كان قاعداً فلينبطح، أي أن يكون الإنسان ساكناً في الفتنة السياسية، ولا تقوم بأي دور في مواجهة الحاكم الظالم، وبدؤوا يكذبون على رسول الله هذه الروايات، نشروا هذه الروايات بين الناس، الناس يجبون الدعة والراحة والعافية، إذا تجد المبرر الديني والثقافي الذي يقعدهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومواجهة الظلم والباطل، يتجهون للدعة والراحة.

الاتجاه الثاني هو الاتجاه الواقعي، كانوا يقولون الإمام الحسين لا يستطيع أن يغيّر، وأخذه لنساءه وعياله لمواجهة يزيد، هذا انتحار، فعليه كان ينبغي على الحسين أن لا يرمي نفسه إلى التهلكة، لنكن واقعيين، 72-73 شخص يستطيعون أن يواجهوا 120 ألف شخص؟ كم سيقتلون ويفعلون؟ لنكن واقعيين ولا نعيش أحلام وطموحات رومانسية، لنعيش الواقع وندرس الواقع ولنرى قدراتنا وإمكاناتنا، لذلك الكثير من الذين كانوا يريدون وينوون نصرة الحسين تم تثبيطهم بهذا الكلام، حتى لو ذهبت لكربلاء ماذا ستفعل؟ هل ستغيّر المعادلة؟ 120 ألف سيقاتل الحسين! اجلس في بيتم وارعى عيالك وأهلك وعش حياتك، اترك الحسين يرى قدره، لماذا لم يحسب الأمور بشكل صحيح؟ يجب أن نتعايش مع الواقع ونرضخ للواقع، هم أقوياء ويجب أن نتعايش مع الواقع الذي فُرض علينا.

نفس هذه المبررات اليوم تُطرح، يقول لك آل خليفة يدعمهم آل سعود وأمريكا وإسرائيل وبريطانيا، كم شخص معك؟ ما هي إمكاناتك؟ ماذا تستطيع أن تغيّر؟ يجب أن تكون واقعي وتنزّل سقفك، يجب أن تكون واقعي وتقبل مضايقة شعائرك، يجب أن تكون واقعي وتقبل الظلم.

اليوم هناك حملة شرسة ضد الشعائر الدينية العاشورائية في البحرين تحت غطاء مكافحة كورونا، لا إشكال في ذلك، جهود مشكورة في مكافحة كورونا، هذه اللافتات واليافطات العاشورائية ما دخلها بكورونا؟ هل تنشر كورونا؟ هذا السواد الموجود في الشوارع لماذا تزيلونهم؟ هل ينشرون كورونا أيضاً؟ إذا ينشرون كورونا فجزاكم الله خير.

لماذا تفتحون المجتمعات التجارية والأسواق وتقومون بحفلات غنائية، ولكن من نصل إلى المآتم والإمام الحسين يصبح أن يكون هناك عدد قليل واشتراطات تعجيزية طويلة، لنرجع للتاريخ قليلاً، هل مكافحة الشعائر الحسينية تعود لسنة أو سنتين؟ هل من بدأ جائحة كورونا؟ كلكم تعلمون وكل شعب البحرين يعلم، كل سنة هذه المسألة موجودة لكن كل سنة تحت عنوان ويافطة وغطاء آخر.

قبل كورونا كانوا يقولون: أنتم تزجون بالقضايا السياسية وعدم تسييس حادثة عاشوراء، ويستدعون الخطباء والرواديد ويسالونهم، ماذا تقصد بهذه الكلمة ولماذا ذكرت يزيد و…، يستدعون المعزين وإدارات المآتم أيضاً، اليوم بحجة كورونا وغداً حجة ثالثة ورابعة، القضية أنهم عندهم مشكلة مع هوية هذا البلد، اليوم بهذا العذر وغداً بعذر آخر وأمس بعذر آخر، لذلك نحن لا يجب أن نقبل بهذه الإجراءات التعسفية التي هي حصراً ضد المواكب والشعائر، نعم يجب إقامة هذه المراسم مع مراعاة البروتوكولات الصحية ولكن لا يعني أن هذه البروتوكولات الصحية تأتي وتلغي المآتم وتضيّق على هذه الشعائر وتبدأ تحاربها، هذا غير مبرر والناس مطالبين بأن يطالبوا بحقوقهم، السكوت عن هذه الإجراءات والقبول بها يغري هذه السلطة يوماً بعد يوم بأن تتمادى أكثر وأكثر في التضييق على الشعائر، ما الحل؟

نحن بين منهجين: منهج الإمام الحسين (ع) وأنصاره، ومنهج طلب العافية تحت المبررات الثقافية والواقعية، ماذا عمل أصحاب الحسين (ع) من أهل بيته وأصحابه، عندما استرجع الإمام الحسين (ع)، قال مما تسترجع؟ قال: القوم يسيرون، والمنايا تسير من ورائهم، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا، فقال له: ألسنا على الحق؟ قال: بلى والله الذي مرجع العباد إليه، فقال:
فإننا إذا ما نبالي وقع الموت علینا أم على الموت وقعنا.

عجيب! الإمام الحسين يقول: إني لا أرى الموت إلا سعادة. وهذا يقول لا نبالي إذا نحن على الحق، لنرى ماذا يقول الطفل؟ يسألونه كيف ترى الموت؟ يقول: فيك أحلى من العسل. فيك لأنك الإمام الزمان وتمثل الحق ورؤية الله، ونحن نخاف من الموت، هذا طفل ويقول: فيك أحلى من العسل. يأتي زهير وبرير وأمثالهم يقولون: والله لو علمت انى اقتل ثم أحيى ثم احرق ثم اذرى يفعل بي ذلك سبعين مرة ما تركتك يا حسين.

المشكلة أنهم أتوا ليحاربوا الحسين، نحن نقرأ في الزيارة: «إني سلمن لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم وولي لمن والاكم وعدو لمن عاداكم»، وهم يأتون يحاربون الحسين وشعائره، نحن إن كنا ندعي انتماءنا للإمام الحسين، أمامنا هذين المنهجين، منهج النصرة الذي تمثل في أنصار الحسين، ومنهج طلب العافية تحت المبررات الثقافية، يقولون: لا تخربون روحانية عاشوراء بزج السياسية في عاشوراء، لا نريد أن تفسد أجواء عاشوراء، وهل روحانية عاشوراء إلا أن تجلت من العشق والفداء في سبيل الله سبحانه وتعالى، عندما تجلّى العشق:

إلهي تركت الخلق طراً في هواكا وأيتمت العيال لكي أراكا ولو قطعتني في الحب إربا لما حنَّ الفؤاد إلى سواكا.

هذه هي روحانية كربلاء، التي تجسد في التضحيات العظام في الدفاع عن الدين وشعائره ومقدساته، من أين تأتي روحانية كربلاء؟ تأتي من هذه القيم السامية العالية، لا تجلبوا السياسة في كربلاء، لا نريد تلويث مراسم عاشوراء بالسياسة، الإمام الحسين لماذا قام؟ أليس لمواجهة سلطان جائر؟ «من رأى منكم سلطاناً جائراً …. كان حقاً على الله أن يدخله مدخله».

الإمام الحسين (ع) كان يريد أن يرسم لنا منهج، يريد أن يتحول لنا إلى أسوة، <لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ>[1]، رسول الله وآل رسول الله، الحسين لم يقدم نفسه قرباناً مع عياله وأبنائه لكي نبرر بعد ذلك خضوعنا وخنوعنا وخوفنا تحت مبررات ثقافية باسم الدين، أو مبررات واقعية، لا والله لقد غيّر الإمام الحسين الكون والوجود بتضحيته وفداءه ونصرته لدين الله، لذلك اليوم اسم الحسين يتردد في كل الأرجاء وفي كل الأرض؛ لأنه أخلص ونصر وعمل لله وخلد في التاريخ لأنه كان كل ما يقدمه لله، هو وأنصاره.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

  • السيد مرتضى السندي
  • ليلة الخامس من شهر محرم الحرام 1443 هـ
  • المكان: مركز الإمام الخميني بقم المقدسة
  • التاريخ: 13 اغسطس/آب 2021

[1] الأحزاب: 21

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى