اليوم الدوليّ لمساندة ضحايا التعذيب نماذج من البحرين تستصرخ الضمير العالميّ

تعتني منظمات حقوق الإنسان العالميّ والأمم المتحدّة بضحايا التعذيب وبما أنّ اليوم (الجمعة 26 يونيو) يصادف ذكرى اليوم الدوليّ لمساندة ضحايا التعذيب سوف نستعرض أمثلة من البحرين، وهي أمثلة قلّما تتواجد في الدول الأخرى، حيث أنّ جرائم التعذيب في البحرين فاقت مايتصوره العقل البشريّ من حيث أساليب التعذيب والأدوات التي تستخدمها السلطات الخليفية لإخضاع الفرد بهدف النيل من كرامته.

وقبل ذلك نُذكر بأنّ هذا اليوم اعتمدتهُ الأمم المتحدة حيث اتفق أعضاء الدول على حظر التعذيب واعتباره جريمة ضد الإنسانية لايمكن تبريرها تحت أي ظرف من الظروف، كما أكدت بأنّ التعذيب محاولة خبيثة لكسر إرادة الشخص، وأنّ الإنسان بإنسانيته ممكن تأهيله عبر مراكز إعادة التأهيل ليتراجع عن جرائمه( هذا على صعيد المجرمين الجنائيين) أما على الصعيد السياسيّ فإنّ الحكومات تعتبر منبثقة من الإرادة الشعبيّة ولايمكن لأيّ دولة استخدام التعذيب ضدّ الأفراد أو الجماعات التي تنشد التغيير عبر الأساليب السلمية، إذ أنّ الدول الديمقراطيّة ومنظمات حقوق الإنسان العالميّ تدعم الحركات التي تناديّ بالتغيير عبر اعتماد الأساليب السلمية.

بعد هذه المقدّمة المختصرة نستعرض جزء يسير من أساليب التعذيب التي أُرتكبت على يد السلطات الحاكمة في البحرين، والتي بسببها استشهد جمعٌ من النشطاء السياسيين، لا لجرم غير المطالبة بالحقوق التي تكفلها القوانين الشرعيّة والوضعيّة.

الشهيد جميل العليّ ضحيّة التعذيب التي صعقت المجتمع البحرانيّ:
في حقبة الثمانينات من القرن الماضيّ أُعتقل الشهيد جميل العليّ (23 عاماً) في تاريخ (26 أبريل 1980م) على خلّفية مشاركتهُ في حراك شعبيّ انطلق من العاصمة المنامة استنكاراً على إعدام الشهيد آية الله العظمى السيّدمحمد باقر الصدر مع أُختهُ السيّدة المؤمنة بنت الهدى على يد نظام المقبور صدام حسين المدعوم من دول الخليج ومنهم البحرين، وتعرض الشهيد جميل العليّ لأبشع أنواع التعذيب الجسديّ والنفسيّ، حيث خضع لأصناف من أنواع التعذيب على يد ثلة من جلاديّ السلطات الخليفية، ومن أساليب التعذيب التي تعرض لها الشهيد جميل العليّ؛ الصعق الكهربائيّ في أماكن حساسة، والحرق عبر المكواة الكهربائية، وحفر بعض أنحاء الجسم عبر المثقاب الكهربائيّ (الدريل)، وقد صُعق المجتمع البحرانيّ بعد رؤية صور آثار التعذيب على جسد الشهيد الطاهر.

أما الأنموذج الثانيّ المؤلم الذي سوف نستعرضهُ هو الشهيد رضي مهدي إبراهيم زين الدين (23 عاماً) من بلدة الدراز، فقد تمّ اعتقاله ضمنّ مجموعة مكونة من 73 شخصاً أُتهموا بمحاولة قلب نظام الحكم في البحرين في ديسمبر 1981م، وقد أُستخدّمت أشد أنواع التعذيب الجسديّ والنفسيّ ضدّ هذه المجموعة بما فيهم الشهيد السعيد رضي مهدي زين الدين، ومن أساليب التعذيب الوحشيّة التي أُستخدمت ضدّهم؛ الصعق الكهربائيّ في أماكن حساسة من الجسم، والركل والصفع في مختلف أنحاء الجسم، الوقوف لساعات طويلة، المنع من النوم لعدة أيام، التعليق مع بالخشبة والحبال (الفيلقة) مع الضرب الشديد بالعصيّ والهروات.
وبسبب التعذيب الذي تعرض لهُ الشهيد رضي زين الدين، والمنع من العلاج والرعاية الطبيّة اللازمة نالت منهُ الأمراض الجسدية والنفسيّة حتى أُصيب بالشلل في إحدى يديه ، وبسبب سوء الرعاية الصحية التي يحتاجها والمنع من العلاج تفاقمت حالته الصحيّة مما استدعى إعطاء عائلتهُ الفرصة لرؤيته بعد خمس سنوات من السجن، وشوهد في حال يرثى لها مما أدى إلى عروج روحه الطاهرة إلى بارئها شاهدة على ظلم الخليفيين في تاريخ(30 أغسطس 1986م).

انتفاضة الكرامة وآهات الضحايا تصل للمجتمع الدوليّ:
اندلعت انتفاضة التسعينات في القرن الماضيّ في البحرين بعد أن استخدمت السلطات الخليفية العنف اتجاه القيادة المتمثلة في أصحاب المبادرة بقيادة الراحل العلامة الشيخ عبدالأمير الجمريّ “قدس”، وكانت آنذاك المطالب الرئيسية إعادة الحياة البرلمانيّة التي عطلها الحاكم السابق عيسى بن سلمان آل خليفة في عام 1975م، وعلى أثره تفاقمت الأمور حتى وصلت لانتفاضة شعبيّة شاركت فيها جميع طبقات المجتمع البحرانيّ آنذاك.

وفي تلك الحقبة تعاملت السلطات الخليفية بأشد أنواع العنجهية مع الشعب حيث تمّ ممارسة التعذيب الممنهج في سجون النظام الخليفية بأيديّ ضباط من مختلف الجنسيات العربية والأجنبية بهدف إخضاع النشطاء السياسيين وكسر إرادتهم، وقلّما تجد شخص دخل السجن آنذاك دون أن يتعرض للتعذيب، وقد وثقت مئات الشهادات إلا أننا نكتفي بذكر من رحلوا إلى جوار بارئهم تحت سياط التعذيب.
وبالرجوع لتلك الحقبة التي كان يديرها «جهاز أمن الدولة» لايمكن أن نتجاوز أول شهيد سقط تحت سياط التعذيب آنذاك وكان ذلك في عام (1995م) وهو الشهيد سعيد الأسكافيّ (17 عام) من سكنة بلدة السنابس الذي كان جرمهُ الوحيد مشاركتهُ في التظاهرات السلمية المنادية بإعادة الحياة البرلمانية، فقد صعق المجتمع الدوليّ بعد انتشار صور الشهيد التي كانت المثال الصارخ على وحشية السلطات الخليفية ضدّ الشعب الأعزل الذي ينادي بالحرية والكرامة. ولم تكن أساليب التعذيب المستخدمة على جسد الشهيد سعيد الأسكافيّ بعيدة عن ماتمّ استخدامه ضدّ السجناء في حقبة الثمانينات حيث أن تلك الحقبة كانت تعانيّ أيضاً من وحشية جهاز أمن الدولة، إلا أنّ السلطات الخليفية طورت من أساليب التعذيب، حيث أنّ اعتقال الشهيد لم يكمل الأسبوع حتى استشهد متأثراً بالتعذيب وهذا دليل على شدة التعذيب الذي تعرض لهُ خصوصاً أنهُ لايعانيّ من أي أمراض مزمنة، ومن أساليب التعذيب الجسدية المستخدمة على جسد الشهيد الصعق الكهربائيّ، والتعليق (الفيلقة)، والضرب بالهروات على جميع أنحاء الجسم وبالأخص الرأس، وغيرها من أساليب التعذيب الوحشية. أما التعذيب النفسيّ فقد تعرض الشهيد للتحرش الجنسيّ على يد قوات الأمن بهدف كسر إرادته الصلبة.

ونعرج على ضحيّتان من ضحايا التعذيب آنذاك وهما الشهيدالسيّدعلي السيّدأمين (21 عام) من سكنة بلدة كرباباد والذي استشهد في تاريخ 15 أغسطس 1996م ، والشهيد نوح خليل آل نوح (22 عام) من بلدة النعيم والذي استشهد بتاريخ 21 يوليو 1998م، فهاتان الضحيتان كانتا شاهدتين على الظلم الخليفيّ آنذاك إذ أنهم أيضاً قضوا تحت السياط حتى الموت بهدف كسر إرادتهم، وإركاعهم، وبث الخوف في نفوس الجماهير الشعبيّة التواقة للحرية والكرامة. فكلاهما قضو نحبهما بعد يومين من اعتقالهما بالرغم من تمتعهم بالصحة الكاملة قبل الاعتقال، وهذا دليل آخر على حجم التعذيب الذي تعرضا لهُ حتى الموت. ونختصر ذكر تفاصيل أساليب التعذيب فإنّ صور آثار التعذيب تصف مالايستطيع القلم وصفه.

ثورة 14 فبراير وأهوال التعذيب تؤكد العقلية الوحشيّة الجماعية للمنظومة الخليفية:
تعد ثورة الرابع عشر فبراير من أكثر الثورات التي شارك فيها شعب البحرين بكل طبقاته ومكوناته المجتمعيّة، من أكادميين وعلماء دين، والطبقة النسائية، وكل ذلك دليل على ترديّ الأوضاع السياسيّة في البحرين وعدم صدقيّة ماتسمى بالإصلاحات السياسيّة التي تدعيها السلطات الخليفية. حيث خرج أكثر من نصف شعب البحرين يطالبون بإسقاط النظام الخليفيّ وإقامة جمهورية ديمقراطيّة تحتضن جميع مكونات الشعب البحرانيّ دون استثناء.
وبعد فض الاعتصام المركزيّ في ميدان الشهداء (ميدان اللؤلؤة) ارتفعت وتيرة التعذيب ضدّ المواطنين، وتوجد نماذج تشهد على وحشيّة النظام الخليفيّ في هذه الثورة إلا أننا نكتفي بالاستشهاد بضحيتان يمكن من خلالهما تبيان وحشيّة السلطات الخليفية التي تنتهج نفس النهج الوحشيّ الذي كان يستخدمهُ أسلافهم ضدّ شعب البحرين.
وفي هذه العجالة لايمكن تخطيّ الشهيد عبدالرسول الحجيريّ (38 عام) من سكنة بلدة بوريّ والذي استشهد بتاريخ 20 مارس 2011م، وهذا المثال فريد من نوعه من حيث الظروف المتعلقة بالزمان والمكان الذي استشهد فيه، حيث أن الشهيد لم تمهلهُ وحشية النظام الخليفيّ وقوات الاحتلال إلا ساعات قليلة بعد القبض عليه وفارق الحياة متأثراً بالتعذيب ليكون شهيداً وشاهداً على ظلم الخليفيين! والأكثر من ذلك لم يتم الذهاب به لمراكز التعذيب بل تمّ تعذيبه حتى الموت في الشارع وماهذا إلا دليل على الوحشيّة المتراكمة لدى السلطات الخليفية بهدف إرهاب الشعب، وإركاعهم، وكسر إرادتهم التواقة للتحرر من العبودية، ومن أساليب التعذيب التي نطق بها جسدهُ الطاهر؛ الهروات، والضرب بالآلات الحادة في مختلف أنحاء الجسم.

ونختتم هذا التقرير بالضحية الثانيّة التي بيّنت أهوال التعذيب الذي يتعرض لهُ الشعب البحرانيّ على يد جلاديّ السلطات الخليفية وقوات الاحتلال السعوديّ والإماراتيّ الذي يبيّن مدى ترديّ حقوق الإنسان في البحرين بسبب سياسة الإفلات من العقاب التي تنتهجها السلطات الخليفية مع المتورطين في تعذيب المواطنين بداخل سجون نظام آل خليفة.
وهنا لابد أن يكون هذا المثال للشهيد كريم فخراويّ (49 عام) من سكنة العاصمة البحرانية المنامة والذي استشهد بتاريخ (12 أبريل 2011م)، وهو أحد الأعضاء المؤسسين لصحيفة الوسط المعارضة في البحرين، وصاحب مكتبة فخراويّ، وناشط اجتماعيّ، ولهُ الكثير من النشاطات الخيرية في البحرين.
اعتقلت السلطات الخليفية كريم فخراويّ بتاريخ (5 أبريل 2011م) وبعد أسبوع من الاعتقال وجلسات التعذيب الشديدة التي تعرض لها فارق الحياة متأثراً بجراحه ليكون شهيداً وشاهداً على ظلم الخليفيين في البحرين، وحسب معلومات حصلت عليها الصحيفة الألكترونية البحرين اليوم، فإنّ ناصر بن حمد آل خليفة وهو نجل حاكم البحرين كان ضليعاً في تعذيب الشهيد كريم فخراويّ، حيث أنّ ناصر بن حمد حضر للسجن في اليوم الذي استشهد فيه كريم فخراويّ وسأل هل أنهُ اعترف بشيء فأجاب عليه جلاوزة النظام بالنفيّ، فأمرهم بمواصلة التعذيب عليه رغم أنهُ كان منهك من التعذيب بل الأكثر من ذلك أخبرهم بأنهُ سوف يصعد للأعلى ويريد سماع صوت صراخه، وذلك يؤكد لنا بأنّ ممارسة التعذيب في سجون آل خليفة بأوامر السلطات الحاكمة في البلاد، لاسيّما وأنّ بعض الشهادات لقادة الثورة في البحرين أكدت مشاركة ناصر بن حمد في ممارسة التعذيب ضدّهم.
كما توجد شهادات أُخرى في ثورة 14 فبراير التي لازالت مستمرة حتى يأذن الله بأمره وينصر الشعب على الظلم والديكتاتورية، ويعم الأمن والسلام على جميع المواطنين في البحرين، ومن تلك الشخصيات الشهيد علي صقر، والشهيد حسن جاسم الفردان، والشهيد زكريا العشيريّ، والشهيد صلاح عباس، وغيرهم من الشهداء الذين قضوا حتى الموت تحت سياط التعذيب الخليفية.

سنترك صور الشهيد تتكلم عن أهوال التعذيب الذي تعرض لها على يد جلاوزة النظام الخليفيّ، وهيّ أساليب لم تختلف عن الأساليب الذي كانت تستخدم في مواجهة انتفاضات الشعب في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضيّ، ولكن تمّ تطويرها لتكون أكثر وحشيّة، وأكثر فتكاً بأجسام المواطنين بهدف بث الرعب في نفوس كل الشّعب، وكسر إرادته التواقة للتحرر من العبودية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى