يأبى الله لنا: الشيخ النوري وإبطال نظرية “العزة المرحلية” في الثورة الحسينيّة

قدّم الشيخ سعيد النوري، القيادي في تيّار الوفاء الإسلامي والمحكوم بالسجن المؤبد؛ قراءاتٍ فكريّة للمشهد الديني والسياسيّ في البحرين، وتميّزت تقديماته بالعمل على التأصيل الدّيني للمواقف العامة، كما حرصَ على إعادة الاعتبار للقيم العليا داخل الحراك الميدانيّ والمعارض.

ونشر الشّيخ النوري أعمالاً ودراسات حول الثورة الحسينيّة، تميّزت بمقاربتها الدّقيقة لواقعة كربلاء، وتلمُّس منطلقاتها وأبعادها الحقيقيّة. وفي هذه الإطلالة، وتأسيساً لشعار “يأبى الله لنا”، نستعرض بحثاً قدّمه النوريّ تحت عنوان “الثورة الحسينة والعزة الإسلامية”، وقد أُعيد نشره في أحد أعداد مجلة (رسالة القلم)

توقّف الشّيخ النوري في هذا البحث عند ما طرحه أحد المعارضين السياسيين في البحرين، قبل العام 2010م، من أنّ شعار “هيهات منّا الذلة” هو “شعار مرحلي”، وذلك في سياق تحذير الشيخ النوري من القراءة التي تحاول “تجريد الثورة الحسينيّة من إشعاع ومضامين العزة والشموخ”، وبينها القراءة التي تُصوّر خروج الإمام على أنه قيام ثوريّ استبطن “الظن” بالانتصار العسكري على يزيد بن معاوية، بالتعويل على نصرة أهل الكوفة، ما يعني أن “قرار التضحية والاستشهاد” لم يكن قرارا اختيارياً، بل هو قرار اضطراري.

في المقابل، يدفع الشيخ النوري بالقراءة التي قدّمها الشّهيد الكبير السيد محمد باقر الصّدر، وآخرون، والذين نفوا فرضة الاضطرار إلى الشهادة والتأكيد على “اليقين بعلم الإمام الحسين بشهادته، وسعيه وتخطيطه لمقتله”.

ويصف الشيخ النوري فرضة “الاضطرار” وتجنّب الإمام الحسين للمواجهة، بأنها تنبع من “رؤية سطحية”، وناتجة عن عدم استيعاب مجريات الثورة الحسينية، إضافة إلى وجود ما يصفها بـ”الرؤية الفكرية المزاجية”، والتي “تقوم على أساس القبول بالواقع، وتمييع قيمة العزة”.

الثورة الحسينيّة: حجة على الجوهر الثوري في الإسلام

يقول الشيخ النوري بأن الثورة الحسينية “تمثل حجة صارخة كبرى على الجوهر الثوري الأصيل للإسلام، ومحورية مبدأ العزة والشموخ في الفكر الإسلامي”، مشددا على أن “مضامين العزة في الثورة الحسينية تمثل القلب النابض للثورة، والجوهر الأصيل لخطابها الثوري، وسر خلودها، وفرادتها التاريخية“.

ويثبّت الشيخ النوري، بناءاً على ذلك، حقيقة أن الإمام الحسين (ع) “أبى إلا أن يسطر ملحمته البطولية بفيض دمه وعمق جراحاته، وعطش أطفاله وغربة نسائه”.

ولإثبات هذه الرؤية، قدّم الشيخ النوري تحليلاً لخطبة الإمام الحسين في الجيش الأموي صبيحة يوم العاشر، والتي نفضّل الاصطلاح عليها بخطبة “الإباء”، وتأسس منها شعار (يأبى الله لنا) لموسم عاشوراء هذا العام. أي الخطبة التي يبدأ فيها الإمام بقوله “ألا وإن الدعي ابن الدعي..”.

يقول الشيخ النوري تعليقا على فقرة “يأبى الله لنا ورسوله والمؤمنون”، إن الإمام الحسين “يعلن صراحة أنه يرفض الذلة، ليس لمجرد رغبة نفسية شخصية عابرة، بل لأن الله سبحانه، والرسول الأكرم، والمؤمنون يرفضن لكل مؤمن القبول بالذلة طائعاً”.

ويرفض الشيخ النوري فكرة “العزة المرحلية”، انطلاقا من قوله تعالى {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}، حيث ينفي النوري “تحديد العزة الحسينية وتسطيحها”.

ويستنتج الشيخ النوري من قول الإمام “وحجور طابت وطهرت”، بأن الإمام الحسين يعتبر “الذلة رجساً ونجاسة”. ويتساءل: “إذا كان رفض الذلة عند الإمام الحسين(ع) نابع من طهارته الربانية؛ فهل يمكن اعتبار رفض الذل وخطاب: (هيهات منا الذلة) مجرد خطاب عابر؟!”. وذلك في ردّ على أحد المعارضين السياسيين الذي اعتبر هذا الخطاب مرحليا.

أما قول الإمام “وأنوف حمية ونفوس أبية”، فهويشير، بحسب الشيخ النوري، إلى “طبيعة الغيرة والحمية والإباء المغروسة في العائلة الهاشمية، ويعتبر أن شعار رفض الذل هو المتناسب مع ملكة الحمية والإباء المتأصلة في الروح الهاشمية”.

كما يؤكد النوري من أنّ قول الإمام “مِنْ أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام”، فيه جواب “صريح على فرضية الشهادة الاضطرارية”، حيث يعلن الإمام صراحةً “أن الذلة التي يرفضها ليست هي مجرد الموت الذليل، بل هي (طاعة اللئام)، فالإمام يعتبر نفس البيعة ليزيد ذلا وهوانا، ويفضل عليها مصارع الكرام”.

ويخلص الشيخ النوري إلى أن الإمام وقافلته المباركة “اتخذت قرارا ناجزا بالتضحية والفداء من بداية الثورة، انطلاقا من العزة الإلهية والطهارة القرآنية والحمية الهاشمية“.

مواقف “العزة” في البحرين: من أجل عزة شاملة

في بحثه، ينتهي الشيخ النوري إلى قراءة  الممارسات في البحرين إزاء قيمة العزة كما جسّدتها الثورة الحسينية. ويصنّف النوري هذه الممارسات إلى ثلاثة مواقف مختلفة، وهي:

  • الموقف الأول: الموقف المزاجي، غير مبال بأيّ مضمون من مضامين العزة الحسينيّة، ويتأسس على قاعدة الرغبة في “التعايش مع الواقع”، بل والمشاركة في مسخ الثورة الحسينية من خلال تحويلها إلى “أداة للتعايش مع الواقع المنحرفن عوضا إصلاحه”.
  • الموقف الثاني: وهو الموقف الذي يؤكد على العزة الأخلاقية والثقافية فقط.
  • الموقف الثالث: الموقف الذي يؤكد على العزة السياسية والحقوقية.

ويستتنج الشيخ النوري موقفا يراه هو الأصوب، وهو “العزة الشاملة والكاملة”، استنادا على رفض “التجزئة” و”الازدواجية” بين عزةٍ في جانب وذلة في جانب آخر. ومن ذلك يطلق الشيخ النوري الدعوة إلى التأسي بثورة الإمام الحسين من أجل أن نستمد منه “عزيمة وحماسة وصلابة روحية وثقافية وسياسية، دون تجزئة وانتقاء”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى