حقوق الإنسان وفق رؤية إسلامية

اتسم العمل في مجال حقوق الإنسان في البحرين بأهمية خاصة، حيث لعب دوراً في تعريف الناس بحقوقهم ليسعوا لنيلها، وتعريفهم بأهمية الملاحقة السياسية والإعلامية والقضائية لمرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان، وبفضل التأسيس والقيادة المتميزة للقيادي في تيار الوفاء الإسلامي والرمز الحقوقي عبد الهادي الخواجة والناشط الحقوقي الأستاذ نبيل رجب أصبح النشاط الحقوقي في البحرين متطوراً وفريداً من نوعه على مستوى الشرق الأوسط.

تستعرض هذه الرؤية عدة عناوين تلخص رؤية تيار الوفاء الإسلامي لموضوع حقوق الإنسان:

  • العمل الحقوقي في البحرين.
  • حقوق الإنسان في المدرسة السائدة.
  • حقوق الإنسان في المدرسة الإسلامية.
  • حقوق الإنسان في البحرين على ضوء المدرسة الإسلامية.

العمل الحقوقي في البحرين

هناك عدة منظمات حقوقية تعنى بالبحرين، بعضها يمارس العمل الحقوقي المحترف والشامل مثل الجمعية البحرينية الأمريكية لحقوق الإنسان في البحرين، ومركز البحرين لحقوق الإنسان ومنظمة سلام، وهناك عدة لجان حقوقية تمسك بملفات متخصصة مثل لجنة الطفل التي يديرها بعض النشطاء ولجنة ضحايا التعذيب التي انكفأ دورها في نهاية 2010م نتيجة للمطاردة الأمنية لبعض عناصرها الرئيسيين، ومحل الحديث فيما يأتي هو اللجان الحقوقية المحترفة.

اعتمدت اللجان والمؤسسات الحقوقيّة في البحرين في عملها على بنية إدارية متشابهة، حيث يدير المؤسسة رمز حقوقي محترف مهنياً وإدارياً، والذي بدوره يقوم بإدارة عدة أفراد مدرَّبين ليمسك كل منهم بملف حقوقي كملف الرصد والترجمة والمراسلات الدولية والعلاقات الإعلامية والتقارير، وغير ذلك. كما كانت تعمد اللجنة الحقوقية المحترفة على تشكيل عناصر رصد في مناطق مختلفة من البحرين، بحيث يرتبطون برئيس ملف الرصد حيث تغذي العناصر المناطقية ملف الرصد بالمعلومات اللازمة المتعلقة بالانتهاكات بشتى أنواعها وتصنيفاتها، وتعتمد المؤسسة الحقوقية على الدورات التدريبية لتهيئة كوادر وعناصر حقوقية مناطقية ونشر ثقافة حقوق الإنسان.

نجحت المؤسسات الحقوقية في البحرين على مستوى التأسيس والممارسة، فأصبحت مصدراً موثوقاً للمعلومة على المستوى الدولي، وأصبح لها علاقاتها الدولية الواسعة، وتسنّم عناصرها مراكز حقوقية دولية مرموقة نجحت في إعداد ملفات حقوقية متكاملة، وهي ملفات صالحة للمرافعات القضائية وإدانة السلطة على المستوى الدولي متى ما وجدت إرادة سياسية لدى القوى الإقليمية لعدم إعاقة محاكمة النظام البحريني في المحاكم الدولية.

 

حقوق الإنسان في المدرسة السائدة

تأثرت معظم مؤسسات حقوق الإنسان في المنطقة والعالم بالمفاهيم المتعلقة بحقوق الإنسان على المستوى الدولي والتي انبثقت من أوروبا بعد انتصار الثورة الفرنسية، فانتشرت مراكز حقوق الإنسان تباعاً لتكون مرجعياتها الفكرية وطرق ممارساتها متشابهة ومتطابقة لحد كبير، يمكن تصنيف أهم ملفات حقوق الإنسان في المدرسة السائدة المتعلقة بحقوق العمال والمرأة والسجناء وحقوق المستهلك والأقليات والسكان الأصليين والطفل والمهاجرين وغيرها تبعاً للفئات التالية:

  • الفئة الأولى: تتناول الحقوق الفردية والشخصية.
  • الفئة الثانية: تتناول علاقات الفرد بالمجموع أو بالدولة.
  • الفئة الثالثة: تشمل الحريات العامة والحقوق الأساسية.
  • الفئة الرابعة: تشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

نظراً لوجود الدعم اللوجستي والمؤسسي والاحتضان الدولي والشعبي لمدرسة حقوق الإنسان السائدة وطول الممارسة النسبي فقد تراكمت لديها التجارب والخبرات، وتحسنت لديها وسائل الرصد والتوثيق والنشر والتقرير وآليات العمل في مؤسسات حقوق الإنسان الدولية والمحلية، وإن لم تتوفر آليات أممية ودولية ملزمة لنتائج العمل الحقوقي وملفاته ومخرجاته، من قبيل:

  • إنصاف الضحايا مادياً ومعنوياً وقضائياً.
  • ملاحقة منتهكي حقوق الإنسان وتقديمهم للعدالة.
  • تأهيل ضحايا الانتهاكات.
  • بينما حققت هذه المؤسسات أهداف أخرى منها:
  • نشر الثقافة الحقوقية وتعريف شعوب العالم بحقوقها الأساس.
  • إزعاج بعض مرتكبي الانتهاكات والتضييق عليهم في بعض شؤونهم.
  • التخفيف من وتيرة الانتهاكات وشدتها في بعض دول العالم.

حقوق الإنسان في المدرسة الإسلامية

تتميز مدرسة حقوق الإنسان في الإسلام بالتطور والغنى على المستوى النظري والتي أثارها القرآن الكريم وأحاديث وسيرة المعصومين؟عهم؟، ولكنها عانت من قصر التجربة على مستوى الممارسة، ويعتبر الإسلام بحق هو واضع أسس ومبادئ حقوق الإنسان للبشرية قبل 14 قرناً، حيث أتى الإسلام وكرّم الإنسان، وحمى حقوقه، سيما المرأة والطفل، حيث كانت المرأة عاراً قبل مجيء الإسلام والطفلة تستحق الدفن حية، وكان التمييز شائعاً، وقيم الجاهلية تحكم الثقافة العامة للبشر، فغير الإسلام كل هذا، وأتى بمنظومة متكاملة لحقوق الإنسان، والتي مورست كمنهج متكامل خلال وقت قصير في الصدر الإسلامي قبل أن يبتعد المسلمون عن النهج السويّ والإسلام المحمدي الأصيل.

وينظر الإسلام إلى الإنسان نظرة راقية فيها تكريم وتعظيم، انطلاقاً من قوله تعالى: <وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً>.

وهذه النظرة جعلت لحقوق الإنسان في الإسلام خصائص ومميزات خاصَّة، مِن أهمِّها شموليَّة هذه الحقوق؛ فهي سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية، كما أنها عامَّة لكل الأفراد، مسلمين كانوا أو غير مسلمين، دون تمييز بين لون أو جنس أو لغة، وهي كذلك غير قابلة للإلغاء أو التبديل؛ لأنها مرتبطة بتعاليم ربِّ العالمين، وقد قَرَّرَ ذلك رسول الله؟ص؟ في خطبة الوداع، التي كانت بمنزلة تقرير شامل لحقوق الإنسان، حين قال؟ص؟: «… فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ» حيث أكَّدت هذه الخطبة النبويَّة جملة من الحقوق؛ أهمُّها: حرمة الدماء، والأموال، والأعراض..، وقول الإمام علي؟ع؟ في رسالته لواليه على مصر مالك الأشتر: «الناس صنفان، أخ في الدين أو نظير لك في الخلق».

بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الراحل روح الله الموسوي الخميني؟رضوت؟ أصبح موضوع حقوق الإنسان قضية متجددة، وأصبح من الضروري للمدرسة الإسلامية أن تفعل منهجها الحقوقي وأن تصيغ الفهم العام لحقوق الإنسان للبشرية وخاصة في العالم الإسلامي، حيث لم تستطع المدرسة الحقوقية الغربية تعريف وحماية حقوق الإنسان بما ينسجم مع فطرة الإنسان وبشريته، ويقود إلى إنصاف الضحايا وملاحقة المرتكبين، وغالباً ما خضع موضوع حقوق الإنسان للمصالح السياسية الضيقة.

المفارقة هي أن القوى الاستكبارية قد أصبحت تحارب الجمهورية الإسلامية والحركات التحررية تحت عناوين حقوق الإنسان، وأصبح الشغل الشاغل للدول المستكبرة هو محاصرة دول وقوى التحرر من خلال اتهامها بانتهاك حقوق الإنسان، حتى أن بعض أنصار الثورة الإسلامية في إيران قد انقلب عليها فيما بعد، واتهمها بقضايا كيدية خلاصتها انتهاك الجمهورية الإسلامية لحقوق الإنسان، وذلك يؤكد نتيجتين هامّتين:

أن القوى الاستكبارية ستقف ضد قوى التحرر حتى بعد انتصارها بدعوى انتهاك حقوق الإنسان، بل وستستخدم هذه الدعوى كسلاح سياسي ضد القوى والشعوب المتحررة.

أن بعض أنصار الثورة والحرية اليوم قد يقفون ضد الحراك الشعبي، أو قد يقفون ضد بعض الأحزاب المؤمنة التي ستصل للسلطة مستقبلاً، وسيثيرون موضوع حقوق الإنسان في العملية السياسية الجديدة، حيث أن أصدقاء وحلفاء الأمس قد يصبحون خصوم المستقبل.

و لعل ما يهيئ لهذين الأمرين هو:

  • جنوح السياسة الشيطانية لدول الاستكبار في استغلال الملف الحقوقي استغلالاً سياسياً للتضييق على قوى وشعوب التحرر.
  • أن القوى والتشكيلات المعارضة اليوم، والتي ستنتصر في معركة الحرية تنتمي لمدارس حقوقية مختلفة فبعضها إسلامي وبعضها ليبرالي، وهذا قد يؤدي لخلاف حول مفهوم ومصاديق حقوق الإنسان في النظام السياسي الجديد، ومثال على الملفات الخلافية المحتملة، والتي قد تكون محل تجاذب حتى بعد الانتصار هو ملف الأحوال الشخصية، والذي ترى بعض القوى الوطنية عدم إدخال الدين في وضع ضوابطه، بينما ترى القوى السياسية الدينية ضرورة تقنين الأحوال الشخصية ومراقبة تنفيذه على ضوء المنهج الإسلامي، وهنا تبرز الحاجة لتفعيل المدرسة الحقوقية في البحرين على ضوء المنهج الإسلامي من أجل تحقيق مجموعة من الأهداف المهمة.

أهداف منظومة حقوق الإنسان في الرؤية الإسلامية

تكليف الإنسان بحقوق وواجبات ابتداءً من علاقته بنفسه <وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ>، فينظر الإنسان إلى حقوق نفسه وواجباته المادية والمعنوية تجاه روحه وجسده، ويكون حب الله سبحانه والخوف من عقابه هو الضابط والضمانة لحقوق النفس والجسد، ولعل رسالة الحقوق للإمام زين العابدين تعبّر عن هذا المقصد المهم.

صيانة حقوق البشر والحيوان والنبات من الظلم والاعتداء البشري أو من الضرر الناجم بفعل الكوارث والأحداث الطبيعية، من خلال تحريم وتجريم الاعتداء على حقوق الخلق وجبر ضرر المتضررين وتعويضهم.

أن تكون حقوق الإنسان مفهوم إنساني لا يتعلق بالنزاع السياسي أو الصراع العرقي أو الاختلاف الديني وغير ذلك من الأسباب المحتملة التي قد تدفع البشر إلى انتهاك الحقوق، حيث جعل الله سبحانه للخلق حقوقاً ثابتة غير قابلة للمصادرة تحت أي ظرف.

تعويض المتضررين من الانتهاكات عبر تشريع الدية والتأهيل وجبر الضرر.

نشر ثقافة حقوقية مرتبطة بالفهم الإسلامي لموضوع الحقوق والواجبات والحريات الشخصية والاجتماعية.

 

حقوق الإنسان في البحرين على ضوء المدرسة الإسلامية

هناك تطابق كبير في الكثير من مقاصد وأهداف العمل الحقوقي بين المدرسة السائدة والمدرسة الإسلامية، كما أن هناك بعض الفروقات بين المنهجين، وإذا أضفنا لذلك الرغبة في تجنب بعض الإشكالات في الملف الحقوقي للشعب في المرحلتين قبل وبعد الانتصار، فإننا نستشعر الحاجة إلى تفعيل مؤسسة حقوقية إسلامية شاملة تمارس العمل الحقوقي بنفس ومنهج إسلامي يبني على عناصر القوة في المدرسة السائدة، ويسعى للتطوير عليها، وتكون لهذه المؤسسة الحقوقية الإسلامية دوراً أساس في التأسيس لثقافة متطورة لحقوق الإنسان باعتبار الإسلام العظيم هو المصدر الأول لحقوق الإنسان الذي سبق كل المناهج الوضعية زمناً ونوعاً.

هناك سبب آخر ووجيه لإنشاء مؤسسة حقوقية ذات بعد إسلامي هو أن هناك بعض الملفات الحقوقية الطارئة للثورة ولم تحظَ بعد بالرعاية الحقوقية الكافية، ومنها:

  • جملة من الانتهاكات والأضرار المعنويّة، مثل الإبادة الثقافية والتغريب، وهما من الأضرار المعنوية الفادحة، وساحة يلعب فيها النظام بقوة لتدمير النسيج الثقافي والاجتماعي للشعب.
  • ملف المهجّرين عن أوطانهم، وأعدادهم بالمئات، بل أصبحوا بالآلاف إذا أخذنا أعداد من تم تهجيرهم من البحرين على فترات متفاوتة خلال حكم آل خليفة للبحرين.
  • ملف المطلوبين والمطاردين أمنياً، فهناك العشرات من الشباب الميداني الناشط في كل مناطق البحرين من هم مطلوبون أمنياً ويعيشون حياة غير مستقرة، وهذه الفئة لا تنال الرصد والتوثيق من قبل المؤسسات الحقوقية التقليدية في البحرين.
  • ملف الجرحى، يصاب الكثير من الجرحى في الاحتجاجات اليومية ضد النظام الظالم، وفي مرات كثيرة لا يحظى جرحى الاحتجاجات على الرعاية الكافية بسبب القصور أو التقصير في الإمكانات أو بسبب نقص في الرصد والتوثيق، وعدم وجود ملف حقوقي متكامل يعنى بجرحى الاحتجاجات.
  • ملف المحرومين من التعليم الجامعي، حيث يعمد النظام الظالم إلى تجفيف المؤسسات التعليمية من الطلبة الناشطين والثوريين، بل ويعمد إلى جعل البيئة التعليمية غير مناسبة للمتفوقين دراسياً من الفئات المعارضة للنظام في المجتمع، ولحد الآن لا يوجد ملف حقوقي يرصد الحصار التعليمي رصداً علمياً ويوثق الأعداد الشبابية المتضررة من سياسة التعليم المجحفة من أجل دعمها وتشجيعها على الدراسة في داخل وخارج البحرين.

نحو بلورة المدرسة الحقوقية الإسلامية

يرى تيار الوفاء الإسلامي أنه من أجل بلورة المدرسة الإسلامية في حقوق الإنسان على مستوى المنظومة الفكرية والتنظيم والممارسة فهناك حاجة لعقد مؤتمر فكري أو ورش عمل موسعة بين أصحاب الشأن في الحوزات الدينية والأحزاب الدينية وناشطي المجتمع الحقوقي والمدني في الملفات الحقوقية المتعددة، بحيث يخلص هذا الجهد إلى:

  • صياغة مبادئ وأطر حقوق الإنسان على ضوء الرؤية الإسلامية اعتماداً على النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة المعتمدة وتراث الأئمة المعصومين كرسالة الحقوق للإمام زين العابدين (عليه السلام).
  • إنشاء مؤسسات حقوق الإنسان الإسلامية، من قبيل المنظمة الإسلامية لحقوق الإنسان، ومحكمة حقوق الإنسان، ومركز التدريب، ومركز الدراسات والإحصاء والتوثيق، وغير ذلك.
  • التعريف بآليات العمل مع المنظمة الإسلامية لحقوق الإنسان.
  • إنشاء النظام الإداري لمؤسسة حقوق الإنسان الإسلامية والمؤسسات الأخرى المرتبطة بها.
  • تشكيل خارطة الشبكة المهنية والاجتماعية لمؤسسات حقوق الإنسان الإسلامية.
  • يؤمن تيار الوفاء الإسلامي أن البحرين بحاجة لمؤسسة حقوقية ذات فكر إسلامي أصيل، يمكن أن تدافع عن حقوق الإنسان وتثقيف المجتمع بحقوقه وواجباته، ورصد القصور والتقصير والتجاوزات في مجال رعاية هذه الحقوق، وتضع آلية لتوثيق ورصد ذلك، وتشكل ملفات علمية دقيقة وموثقة لإنصاف المتضررين، ويكون عملها وثيقاً مع المحاكم الجنائية والمؤسسات الحقوقية الأخرى في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى